هدية شوال أرز
عيلة "الحاج جلال" كانت معروفة في البلد كلها إنها من أعيان محافظة المنيا. لما جه عيد ميلاده السبعين، ولاده وبناته وأزواجهم وأحفاده جم من كل حتة في المحرروسة عشان يحتفلوا بالمناسبة دي في بيت العيلة الكبير.
بقلم منــي الـسـيد
البيت كان شعلة نشاط.. الحركة مابتخلصش، ريحة الأكل من المطبخ تفتح النفس، والترابيزات متغطية بمفارش بيضا وعليها ما لذ وطاب: صواني الرقاق باللحمة، والبط المحمر، والحلويات الشرقية، وهدايا غالية جاية من بره، وأظرف منفوخة باين من شكلها إن فيها مبالغ وقدره. في العيلة دي، الهدية مكنتش مجرد هدية، كانت استعراض قوة ومنظرة "أنا معايا كام".
وفي عز الزحمة دي، ظهر "محمود"، جوز بنته الصغيرة. بقلم منـي الـسـيد
دخل من البوابة بالراحة، لابس قميص بسيط باين عليه أثر العرق، وبنطلون قديم، وفي رجليه جزمة مغبرة من المشوار. وعلى كتفه كان شايل شوال رز كبير، تقيل جداً، وماشي بيه بصعوبة لحد نص الصالة.
محمود من عيلة على قد حالها.. تربى وشاف أمه وهي بتعد القروش عشان تجيب الزيت والتموين. اشتغل فاعل، وبعدها "صنايعي" في المعمار، طول عمره شقيان في الدنيا. اتجوز "أمل"، أصغر بنات الحاج جلال، عشان بيحبها بجد.. لا طمع في ورث، ولا في جاه، ولا
بس دي كانت المشكلة اللي "الحاجة زكية"، حماته، مش قادرة تبلعها أبداً.
بالنسبة لها، محمود ده كان "غلطة". راجل ملوش هيبة، لا اسم كبير، ولا فلوس، ولا مستقبل. كانت دايماً شايفة إن أمل بجمالها وأصلها تستاهل حد "من توبها".. رجل أعمال، صاحب أطيان، محامي مشهور.. أي حد يسند صورة العيلة قدام الناس.
أول ما شافت محمود داخل بالشوال على كتفه، وشها قلب وبقى زي الضلمة. وقفت فجأة وسط الناس وزعقت بصوت عالي خلى الكل يسكت:
— إيه ده يا محمود؟ إنت فاكر نفسك فين؟ النهارده عيد ميلاد الحاج جلال السبعين! بص حواليك وشوف الهدايا اللي الناس جايباها.. سعات غالية، ودهب، وأظرف فلوس.. وإنت جاي لي بشوال رز؟ إنت جاي تنقطنا ولا جاي تصغرنا قدام الناس؟
الكلام في القاعة مات فجأة.
كل العيون اتجهت لمحمود. فيه اللي كان بيبص بـ "شفق"، وفيه اللي عيونه مليانة "شمت"، وفيه اللي ضحك بـ استهزاء كأن المنظر ده أكد لهم اللي كانوا بيفكروا فيه.
محمود وقف في نص الصالة. نزل الشوال بالراحة على الأرض، ومسح العرق من جبهته بكم قميصه، ورد بصوت هادي وموزون:
— أنا عارف إني معنديش اللي عند غيري يا ست الكل. بس أنا جبت الرز ده وأنا بفكر في الحاج جلال. قعدت أجمع في تمنه قرش فوق قرش بجهدي
الرد ده، بدل ما يهديها، شعلل نارها أكتر. شاورت على الشوال كأنها شايفة حاجة عار:
— شيل البتاع ده من هنا فوراً! أنا مش هسمح لك تبوظ ليلة الحاج بـ "فقرك" ده. كفاية الفضيحة اللي أنا فيها بسبب إن بنتي اتجوزت واحد مش عارف حتى يلبس إيه وهو جاي يقابلنا!
الإحراج كان فوق الوصف.
محمود فضل مكانه ثانية واحدة. عينه لمعت بوجع مكتوم، بس محكاش.. ماردش ولا رفع صوته. وطى راسه بكسرة نفس، كأنه اتعود خلاص على الإهانة دي.
"أمل"، اللي كانت واقفة وعينها غرقانة دموع، جريت عليه ومسكت إيده:
— يلا بينا يا محمود.. يلا نمشي من هنا. أنا عارفة قيمتك كويس، وإنت مش محتاج تثبت لأي حد إنت مين.
محمود هز راسه بالموافقة، ولف ضهره عشان يخرج.
الضيوف بدؤوا يبصوا في الأرض من الإحراج، وفيه اللي فضل ساكت بيتفرج على "المسلسل" ده ببرود.
وفجأة، باب المكتب اتفتح.
خرج "الحاج جلال".
راجل كبير في السن، بس لسه فيه "هيبة" وعزة نفس. نزل السلم بالراحة وهو ساند على عصايته الأبنوس. بص لمحمود وهو ماشي في اتجاه البوابة مع مراته، وبعدين بص لشوال الرز المرمي في ركن الصالة.
قال بصوت جهوري وهادي:
— هاتوا الشوال ده هنا.
محدش
— يا حاج جلال، سيبك منه، ده شوال رز ملوش لازمة...
قاطعها الحاج جلال من غير ما يزعق:
— قولت هاتوا الشوال هنا.
واحد من ولاد اخته جري ونفذ الأمر. سحب الشوال التقيل لحد نص الصالة، وصوت احتكاك الشوال بالأرض كان بيعمل وشيش في ودن الكل.
الحاج جلال طلع مطواة صغيرة (قرن غزال) كانت دايماً في جيبه، وطى بصعوبة وشرط قماش الخيش بتاع الشوال.
الشوال اتفتح.. والرز بدأ يفرش على الأرض.
بس مع حبات الرز، بدأت تظهر "لفافات" متغلفة كويس جداً، مستخبية وسط الرز، محمية ببلاستيك تقيل ومتربطة بدقة وعناية.
الصالة كلها اتجمدت.
الحاجة زكية عقدت حواجبها بذهول.
جوز بنتها التاني قرب خطوة عشان يشوف.
بنت من بناته حطت إيدها على بؤها من الصدمة.
في اللحظة دي، الكل فهم إن الشوال ده مكنش شايل رز وبس.
وفجأة، مكنش حد في البيت كله قادر يتنفس من هول المفاجأة...
**متوفرة على روايات و اقتباسات
## الجزء الثاني: كشف المستور
الصالة كلها غرقوا في سكات رهيب.. سكات يخليك تسمع دقة القلب من كتر الخوف والترقب. الكل عينه على "اللفافات" اللي طالعة من وسط الرز، مش فاهمين إيه اللي بيحصل.
الحاجة "زكية"، اللي كانت من شوية بتطرد محمود وتتهكم عليه،