روحت اولد
روحت المستشفى لوحدي في عزّ عاصفة علشان أولّد… ماكانش معايا فلوس ولا كان فيه حد معايا.
بس أول ما البيبي نزل، الدكتورة المتكبرة واللي الكل كان بيخاف منها، وقعت فجأة على الأرض وفضلت تعيط بصوت عالي قدام الكل.
الدنيا كانت ليل، والمطر مبيسكتش، والبرد بينخر في العضم. قدام باب أكبر مستشفى خاص في المهندسين، كنت واقفة وأنا كلي مبلولة، مفيش شمسية ولا سند ولا حتى قرش في جيبي. أنا نور، 23 سنة، وكنت بتموت من الوجع.
خلاص، وقت الولادة جه، والمية نزلت، ولقيت نفسي راكبة ميكروباص لوحدي وبحبي لحد باب المستشفى. جوزي طارق مات من 8 شهور في حادثة عربية، وسابني بواجه الدنيا دي لوحدي. دخلت الطوارئ وأنا بصرخ:
"الحقوني.. بولد.. ماليش حد يا رب!"
الممرضات خدوني بسرعة على سرير، وبسبب حالتي الصعبة وضغطي اللي علي، دخلوني فوراً لأكبر دكتورة في المستشفى.
اللي كانت موجودة هي الدكتورة شاهيناز، صاحبة المستشفى ومليارديرة، ست الكل بيخاف منها ومن لسانها، مفيش في قلبها رحمة للفقراء. الممرضة قالت لها بخوف: "دكتورة، الحالة خطر جداً والضغط عالي!"
شاهيناز بصت بقرف وهي بتلبس الجوانتي وقالت: "خلصونا.. جهزوا العمليات، مش عايزة دوشة، حالة زي أي حالة."
مكانتش شايفة وشي من شعري المبلول وعرقي، بالنسبة لها أنا مجرد "حالة فقر" جاية تولد وتتعبها وخلاص.
**— "ادفعي يا مدام!
كنت بقول بهسس وصوت مكسور: "يا طارق.. يا حبيبي الحقني.. يا رب خليك معايا عشان خاطر طارق."
الدكتورة مسمعتش اسم طارق من صوت الأجهزة، وبعد ساعة من العذاب وطلوع الروح، سمعنا أحلى صوت في الدنيا.. صرخة البيبي.
الدكتورة شاهيناز خدت الطفل عشان تنظفه وتكشف عليه، والكل كان مستنيها تخلص ببرودها المعتاد.. وفجأة!
الدكتورة وقفت مكانها كأنها اتكهربت.. وشها بقى أصفر، والطفل في إيدها، وبدأت تترعش بطريقة مرعبة.
وفجأة، ومن غير أي مقدمات، الدكتورة شاهيناز وقعت على ركبها في أرض العمليات، وحضنت الطفل بقوة وبدأت تصرخ وتعيط بصوت عالي جداً هز المستشفى كلها، وهي بتقول كلام خلى الممرضات كلهم يبرقوا من الصدمة!
شاهيناز كانت واقعة على الأرض، وحاضنة الطفلة الصغيرة اللي لسه واصلة الدنيا، ودموعها بتنزل بغزارة بتمسح "المكياج" الغالي اللي على وشها. الممرضات وقفوا مصدومين، والدكتور المساعد قرب منها بخوف:
— "دكتورة شاهيناز! حضرتك كويسة؟ إيه اللي حصل؟"
شاهيناز مكنتش سامعة حد، كانت بتبص في وش الطفلة وتشهق بوجع وتقول بصوت عالي:
— "طارق! ده وش طارق! الوحمة دي.. العلامة دي.. مش ممكن! أنتي بنته؟ أنتي حفيدتي؟"
نور (الأم) كانت لسه فايقة بالعافية من البنج، وبدأت تسمع كلام شاهيناز. حاولت ترفع راسها بصعوبة وقالت
— "أنتي.. أنتي تعرفي طارق منين؟ طارق جوزي مات.. ملوش حد.. قالي إنه يتيم!"
شاهيناز قامت بصعوبة، وسلمت الطفلة للممرضة وهي بتترعش، وقربت من سرير نور. مسكت إيد نور وبستها وهي بتبكي بحرقة:
— "سامحيني يا بنتي.. أنا مكنتش دكتورة، أنا كنت شيطانة! طارق مش يتيم.. طارق ابني الوحيد! ابني اللي طردته من 5 سنين لانو رفض يتجوز البنت اللي اخترتها له، ورفض يعيش في (قصور الكدب) بتاعتي واختار يعيش بكرامته مع الست اللي حبها.. اللي هي أنتي!"
نور بصت لها بذهول: "أنتي مديحة هانم؟ طارق حكى لي إن أمه ست قاسية باعت قلبها للفلوس.. مكنتش أعرف إنك الدكتورة شاهيناز!"
شاهيناز انهارات تماماً:
— "أيوة.. أنا غيرت اسمي وبنيت المستشفى دي عشان أهرب من ذنبي. كنت فاكرة إنه هيرجع لي لما يحتاج الفلوس، مكنتش أعرف إنه مات! مكنتش أعرف إني كنت بعامل (مراته) و (حفيدتي) بالاحتقار ده!"
المستشفى كلها كانت بتتكلم عن اللي حصل. الدكتورة "الحديدية" سابت مكتبها الفاخر، وفضلت قاعدة تحت رجلين نور في أوضة عادية جداً. شاهيناز جابت أحسن طقم تمريض، وأغلى لبس وهدايا للطفلة، بس نور مكنتش قادرة تنسى نظرة الاحتقار الأولى.
نور بصت لها بقوة وقالت:
— "يا دكتورة.. الفلوس م رجعتش طارق، والبرفان الغالي م غطاش ريحة القسوة اللي شفتها في عينيكي أول ما دخلت. طارق مات وهو شريف، وأنا هربي
شاهيناز بكت بكسرة:
— "أرجوكي يا نور.. بلاش تحرميني من (ريحة طارق). أنا هتنازل عن المستشفى دي باسم البنت، وهعيش خدامة تحت رجليكم.. بس سامحيني!"
في اللحظة دي، الممرضة دخلت ومعاها "أمانات" نور اللي كانت في شنطتها المبلولة. طلعت "ساعة قديمة" كانت لطارق. شاهيناز أول ما شافت الساعة صرخت:
— "دي ساعة أبوه! أنا اللي كنت مدياها له يوم تخرجه.. يا رب! العلامات كلها كانت قدامي وأنا كنت عمياء!"
شاهيناز قررت إنها مش بس هتصلح غلطها مع نور، دي قررت تفتح قسم كامل في المستشفى لعلاج "الفقراء والمحتاجين" مجاناً، وسمته (قسم طارق المنشاوي)، وقررت إنها مش هتلبس "الروب الأبيض" تاني إلا لما تتعلم يعني إيه "رحمة".
نور وافقت إنها تفضل في المستشفى عشان خاطر بنتها (ليان) يكون ليها عيلة، بس اشترطت على شاهيناز إنها تعيش ببساطة وتتعامل مع الناس بإنسانية. شاهيناز اتغيرت 180 درجة، وبقت الدكتورة اللي بتمسح دموع المرضى قبل ما بتكتب الدوا.
نور بصت لبنتها وهي في حضن جدتها، ووشوشت لصورة طارق:
— "يا طارق.. حقك رجع، وأمك عرفت إن (الكرامة) أغلى من كل كنوزها.. بنتنا هتعيش في خيرك، بس بقلبك إنت."
العبرة: م تستهونش بحد فقير أو ضعيف، لأنك م تعرفش القدر مخبي لك إيه.. والفلوس بتبني "بيوت"، بس الرحمة هي اللي بتبني "بني آدمين". ودعوة المظلوم