كان يا مكان

لمحة نيوز

كان يا ما كان، في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، شاب اسمه عبدالله. كان عبدالله مشهوداً له بالنباهة والعقل الراجح، لكنه كان "على باب الله"، يبحث عن رزقه في الأسواق وبين كبار التجار ليعيل أهله.

بعد صبر وطول انتظار، فُتح له بابُ رزقٍ عند تاجرٍ كبير يُشار إليه بالبنان. كان هذا التاجر يملك مخازن تملأ السوق، وعرض على عبدالله عملاً براتبٍ لم يحلم به، ومكانةٍ تجعله بين الناس "صاحب شأن".

في أول يوم له في "الخان" (المتجر)، ناداه التاجر وقال له:

"يا عبدالله، أنت شابٌ ذكي، ويدك خفيفة في الحساب. خذ هذه السجلات، وغيّر

في أوزان البضاعة وأثمانها قليلاً، لكي يظن المشترون أننا نبيعهم بأرخص الأثمان.. هي كڈبة بيضاء تجلب لنا الزبائن!"

وقع الخبر على عبدالله كالصاعقة. عاد إلى بيته والهمّ يركب كتفيه، وجلس يفكّر:

"أأبدأ طريقي بخلط الحړام بالحلال؟ وإن رفضتُ، فمن أين لي برزقٍ يغنيني؟"

لكنه تذكر قول الأجداد: "ما ضاع من استخار، ولا ندم من استشار الخالق". فصلى ودعا ربه بقلبٍ خالص: "اللهم إن كان في هذا العمل سوءٌ لي في ديني، فابعده عني وارضني بقضائك".

في الصباح، دخل عبدالله على التاجر بكل ثقة وقال له:"يا عمّي، الأمانة ثقيلة، والجبال

عجزت عن حملها، وأنا لا أبيع ديني بدنياي. لن أغيّر في الموازين حرفاً واحداً."

ضحك التاجر بقلة تقدير وقال:

"اخرج يا مسكين! والله لتبحثنّ عن كسرة خبزٍ في السكك ولن تجدها، وستعرف حينها أن المبادئ لا تملأ البطون!"

خرج عبدالله وليس في جيبه درهم واحد، لكنه كان يشعر بخفة في صدره. مرت عليه أيامٌ صعبة، بدأت فيها المؤن تنفد من بيته، وبدأ كلام الناس يكثر من حوله. لكنه كان يردد بيقين: "من ترك شيئاً لله، عوّضه الله خيراً منه".

ولأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وصلت أخبار أمانة عبدالله إلى مسامع "كبير التجار" في

المدينة، وهو رجلٌ صالح يُعرف بالصدق. أرسل في طلب عبدالله وقال له:

"يا بني، بلغني ما فعلته مع التاجر فلان. لقد كنتُ أبحث عن رجلٍ آمنه على مالي وبيتي قبل تجارتي. أنت اليوم شريكي في هذا الخان، ولك سهمٌ في الأرباح تفوق ما كنت ستحصل عليه هناك أضعافاً."

الخلاصة :

 "يا طالب الرزق، لا تستعجل الحړام، فما عند الله لا يُنال إلا بطاعته."

  * الأمانة: هي رأس مال الرجل الحقيقي، والمال يذهب ويجيء، لكن السمعة الطيبة تبقى.

 * الصبر: باب الڤرج ضيق، لكنه يفضي إلى بساتين واسعة لمن صبر واتقى.

  *

العوض: الله لا يأخذ منك شيئاً إلا ليعطيك ما هو أبقى وأنفع.

تم نسخ الرابط