أبو البنات وأبو الصبيان

لمحة نيوز

أبو البنات وأبو الصبيان

في قرية صغيرة على أطراف المدينة كان يسكن رجلان متجاوران في البيوت متباعدان في الطباع متقاربين في العمر أحدهما يدعى محمود والآخر اسمه عبد الرحمن كانا يلتقيان كل صباح عند بئر الماء أو في السوق أو على الطريق المؤدي إلى المسجد وكانا يتبادلان التحية ثم لا يلبث الحديث أن ينجر إلى سؤال مألوف يكرره عبد الرحمن على جاره محمود فيقول له مبتسماً: "يا محمود ماذا رزقت زوجتك هذه المرة؟" فيجيبه محمود بهدوء: "رزقت بنتاً يا عبد الرحمن" فيضحك عبد الرحمن ويقول: "أما أنا فقد رزقت الصبي السابع"  

ومرت الأعوام وتكررت الحكاية حتى صار لمحمود سبع بنات كلهن جميلات مهذبات وصار لعبد الرحمن سبعة صبيان أقوياء أشداء وكلما التقى عبد الرحمن بجاره ناداه مازحاً: "يا أبا البنات" وكان محمود يبتسم ابتسامة باهتة ويخفي في قلبه شيئاً من الألم لأن الكلمة كانت تحمل في طياتها شعوراً بالانتقاص لكنه كان يصمت ولا يرد  

كبر الأبناء

والبنات وتزوجوا جميعاً كل واحد منهم ذهب إلى بيته الجديد وبقي الأبوان في داريهما وحيدين بعد أن مضى العمر وتفرقت الذرية في أرجاء القرية والمدن  

وفي إحدى الليالي الباردة حين كان القمر يطل على القرية بنور خاڤت خرج عبد الرحمن من بيته بعد أن ضاق صدره بالوحدة والجوع فقد كان بيته خالياً إلا من صمت ثقيل وملابس مبعثرة وأوانٍ فارغة فمشى بخطوات متثاقلة نحو بيت جاره محمود لعله يجد عنده أنساً أو حديثاً يخفف عنه وحشة الليل  

طرق الباب ففتح له محمود بابتسامة مشرقة ودعاه إلى الدخول فدخل عبد الرحمن فإذا بالبيت نظيف مرتب تفوح منه رائحة الطعام الشهي ورأى محمود جالساً على مائدة عامرة بالأطباق الساخنة والخبز الطازج والثياب النظيفة فقال متعجباً: "يا محمود من أعد لك هذا الطعام ومن نظف لك البيت ومن غسل لك ثيابك؟"  

ابتسم محمود وقال: "يا عبد الرحمن إن بناتي لا يتركني وحيداً كل يوم تأتي إحداهن فتغسلني وتحممني وتنظف البيت وتعد

لي الطعام ثم تعود إلى بيتها وزوجها وأولادها وقد اتفقن فيما بينهن أن يقسمن أيام الأسبوع عليّ فلكل واحدة يومها المعلوم"  

فتح عبد الرحمن عينيه دهشة وقال: "أتأتيك كل يوم واحدة منهن؟ وكيف يجدن الوقت بين بيوتهن وأزواجهن وأولادهن؟" فأجابه محمود: "إنهن يعتبرنني بيتاً ثانياً لهن وأباً لا يجوز أن يترك وحيداً وقد اتفقن أن يحملنني كما حملتهن صغيرات"  

جلس عبد الرحمن إلى جواره وهو يشعر بمرارة في قلبه وقال بصوت متهدج: "يا أبا البنات تنام متعشياً دافئاً وأنا أنام جائعاً برداناً أبنائي يحملون اسمي لكن بناتك يحملنك أنت واسمك"  

سكت محمود قليلاً ثم قال: "يا عبد الرحمن إن الناس يظنون أن البنات عبء ولكنهن في الحقيقة رحمة ونعمة من الله فهن الحنان والوفاء وهن السند حين يشيخ الجسد ويضعف العزم أما الأبناء فينشغلون بأعمالهم وأسرهم "  

أطرق عبد الرحمن رأسه وقد شعر أن الكلمة التي كان يرددها على جاره ايام الخوالي

"يا أبا البنات" كانت في الحقيقة وسماً من الجهل وقلة البصيرة وأنه هو الذي صار اليوم بحاجة إلى كلمة حانية أو يد رحيمة لكنه لم يجدها بين أبنائه  

وبقي الرجلان يتحدثان حتى غلبهما النعاس فنام عبد الرحمن في بيت جاره لأول مرة منذ سنين وهو يشعر أن الدفء لا يأتي من الطعام وحده بل من القلوب التي تعرف معنى البر والوفاء  

رسالة إلى القارئ

أيها القارئ الكريم إن هذه القصة ليست مجرد حكاية بل هي مرآة تعكس لنا قيمة البنات ومكانتهن في حياة الآباء والأمهات فالبنت ليست عبئاً كما يظن بعض الناس بل هي رحمة ونعمة وسند في الكبر وحين يضعف الجسد إن الابن يحمل اسم أبيه ولكن البنت تحمل أباها نفسه وتظل وفية له حتى آخر العمر فليكن في قلوبنا تقدير لهذه النعمة ولنعلم أن العدل بين الأبناء والبنات واجب وأن الفخر الحقيقي ليس بكثرة الذكور بل بكثرة البر والوفاء  

انشر هذه القصة لتصل إلى غيرك ولتكون سبباً في تصحيح نظرة مغلوطة عند كثير

من الناس ولتكن أنت سبباً في نشر الحكمة والعبرة  

تم نسخ الرابط