الولد الذي باع صوته
الولد الذي باع صوته
في قريةٍ نائيةٍ بين جبال اليمن، حيث لا يصل إليها إلا صوت الآذان وحفيف الريح، عاش طفلٌ يُدعى "سالم". كان في السادسة من عمره، يحبّ أن يغنّي. ليس غناءً عابثاً، بل كان يردد الآيات، وينشد الأناشيد الدينية بصوتٍ نقيّ كأنّه ماء الوادي.
كان أهل القرية إذا سمعوه، تبسّمت وجوههم، وقالوا: "هذا الصوت نعمةٌ من الله!"
لكنّ سالم لم يكن كباقي الأطفال. كان يعيش مع جدّته، بعد أن قُټل والداه في غارةٍ أتت على بيتهم. لم يرث منهما سوى صورةٍ باهتة، وقلادةٍ نحاسيةٍ نقش عليها "سالم".
وكان كلّ ليلةٍ، قبل النوم، يهمس للقلادة: "أحبّك يا أبي... يا أمّي"، ثمّ ينام
ذات يوم، جاء إلى القرية تاجرٌ غريبٌ، يلبس ثياباً فاخرة، ويحمل حقيبةً سوداء. سمع صوت سالم وهو ينشد، فتوقّف، وطلب مقابلته.
قال للتاجر الجدّة: "هو ولد يتيم، لا يملك غير صوته."
فابتسم التاجر، وقال: "أعطيكِ
فقالت الجدّة، وهي تمسك بيد سالم: "ولكنّه لا يغنّي إلا لله!"
فأجاب التاجر: "الغناء غناءٌ، يا امرأة. المال هو الفرق!"
ووافقت الجدّة، لا لحبّ المال، بل لأنّها رأت في عيني سالم جوعاً لم يسبق أن رأته. لم يكن جوعاً للخبز، بل جوعاً للأمان، ، للضحك بلا خوف.
سافر سالم مع التاجر.
وعندما وصل إلى المدينة، لم يُعلّمه الغناء، بل أخذه إلى استوديو، وقال له: "غنِّ هذه الأغنية."
كانت كلماتها عن الحبّ المحرّم، وعن السهر، وعن نسيان الهموم في حاناتٍ لا تعرف اسم الله.
بكى سالم، وقال: "لا أستطيع!"
فهدّده التاجر: "إمّا أن تغنّي، وإمّا أن تعود إلى قريتك فقيراً، وتخبر جدّتك أنّك فشلت!"
فغنّى... بصوتٍ نقيّ، لكنّ كلماته كانت كسيوفٍ ټقتل براءته.
وأصبح مشهوراً.
وكان الناس يُعجَبون بصوته،
مرّت سنوات.
سالم شابّ، يملك سيّارةً فاخرةً، وبيتاً في أرقى الأحياء، وحساباً في البنك لا يُحصى.
لكنّه كلّ ليلةٍ، ينظر إلى القلادة النحاسية، ولا يستطيع أن يهمس كما كان يفعل: "أحبّك يا أبي..."
لأنّه يشعر أنّه خانهم.
وذات ليلة، سمع في الراديو خبراً: "توفيّت امرأةٌ عجوزٌ في قريةٍ نائيةٍ... كانت تُدعى فاطمة، وكانت تنتظر حفيدها سالم أن يعود."
سُحق قلب سالم.
ركض إلى بيته، وأخرج من خزانته آلاف الأوراق المالية، والصور، والجوائز...
ثمّ مزّقها كلّها.
وقال: "بعتُ صوتي... لكنّي لن أبيع روحي مرتين."
عدَ إلى قريته، مشياً على الأقدام، كما خرج منها.
وډفن جدّته بيده، وجلس عند قپرها أيّاماً، لا يأكل ولا يشرب، يردّد سورة الفاتحة بصوتٍ خاڤت، كأنّه يستأذن السماء أن تسمح له أن يعود.
ومن ذلك اليوم، لم يغنِّ
بل بنى مدرسةً صغيرةً في القرية، يُعلّم الأطفال القرآن، ويقول لهم:
"إذا أعجب الناس بصوتك، فلا تجعله سلعةً.
اجعله دعاءً... يجعلك أقرب إلى ربّك، لا أبعد."
وكان إذا سُئل عن ماضيه، قال:
"كنتُ أملك صوتاً من نور، فبعتُه بظلمةٍ زائلة.
لا تبيعوا ما وهبكم الله، مهما عرضوا لكم."
كم من نعمةٍ أنعم الله بها عليك، فتاجرت بها في سوق الغفلة؟
كم من صلاةٍ فاتتك، وكلمةٍ طيّبةٍ كتمتها، وصدقٍ خنته، من أجل نظرةِ إعجابٍ أو درهمٍ زائل؟
الدنيا تُعرض، لكنّ الآخرة لا تُستردّ.
والعمر لا يُعوَّض.
فلا تبيع روحك، ولو عُرضت لك الدنيا كلّها.
إذا أثّرت فيك هذه القصة، فلا تحتفظ بها لنفسك.
شارِكها، فربّ كلمةٍ توقظ قلباً نائماً، أو تُعيد يدًا كانت على وشك أن تمدّ إلى الحړام.
انشرها، وادعُ الله أن يجعلك سبباً في هدايةٍ، لا في غفلة.
فأنت