مدينة الريح...حسن الشرقاوي
حكاية مدينة الريح، وكتاب الأقدار السبعة
يُحكى — والله أعلم — أنه في سالف العصر والأوان، وقبل أن تُخطّ المدن على الخرائط، وقبل أن تُقاس المسافات بالميل والفرسخ، كانت هناك مدينة لا تظهر إلا لمن كُتب له أن يراها، تُدعى مدينة الريح.
لم تكن تُبنى من حجرٍ ولا طين، بل من حكاياتٍ قديمة، وأمنياتٍ لم تُقال، ودموعٍ سالت في الليالي ثم جفّ أثرها مع الفجر.
وكانت المدينة إذا هبّت الرياح، انتقلت من مكانٍ إلى مكان، فلا تستقرّ على أرضٍ إلا حين تشتهي.
وكان يحكمها ملكٌ يُدعى الملك شَمس الدِّين بن عارف، رجلٌ جاوز الخمسين، واسع العينين، عميق الصمت، كأن في صدره بحراً لا يبوح بأمواجه.
لم يكن الملك ظالماً ولا عادلاً على الدوام، بل كان — كجميع الملوك — أسيراً لقدرٍ لم يختره.
أما سرّ مدينة الريح، فكان محفوظاً في كتابٍ عتيق، يُقال له كتاب الأقدار السبعة، لا يُفتح إلا مرةً كل مئة عام، ولا يقرأه إلا من خُتم اسمه في الصفحة الأخيرة قبل أن يُولد.
وكان هذا الكتاب محفوظاً في برجٍ لا باب له، لا يُدخَل إلا من الحلم، ولا يُغادَر إلا بالنسيان.
الليلة الأولى: ميلادٌ غير مكتوب
في ليلةٍ مقمرة، حين اكتملت السماء نجومها، وهدأت الرياح على غير عادتها، وُلد غلامٌ في أطراف المدينة، لامرأةٍ تُدعى سُهيلة بنت الغريب.
وكان الغلام مختلفاً منذ لحظته الأولى؛
لم يبكِ،
ولم يصرخ،
بل فتح عينيه وحدّق في الفراغ، كأنه يتذكّر شيئاً نسيه منذ زمن بعيد.
قالت القابلة، وهي ترتجف:
«هذا الطفل… عينيه ليستا لعابر سبيل.»
وسُمّي الغلام نُور.
كبر نور سريعاً، لا في الجسد فقط، بل في الفهم أيضاً.
كان يسمع ما لا يُقال، ويرى ما لا يُرى، وإذا نام رأى أحلاماً ليست له، كأن أرواحاً أخرى تستعير نومه لتبوح.
وحين بلغ السابعة، رأى في منامه برجاً عالياً بلا باب، وكتاباً يقطر ضوءاً، وسمع صوتاً يقول:
«ما كُتب لا يُمحى،
وما لم يُكتب… يُطالب بحقه.»
استيقظ نور مذعوراً، وكان ذلك أول يومٍ تهبّ فيه الرياح بعنفٍ غير مسبوق، حتى قال أهل المدينة:
«لقد تحرّك القدر.»
الليلة الثانية: الملك والمرأة العمياء
في تلك الأثناء، كان الملك شمس الدين يستدعي إلى قصره امرأةً عمياء تُدعى الشيخة زَهراء، وهي آخر من بقي ممن يقرأون إشارات الريح.
قال لها الملك:
— «أخبريني… هل اقترب وقت الكتاب؟»
فابتسمت المرأة، وقالت بصوتٍ كأنه خارج من بئر:
— «لم يقترب… بل استيقظ.»
اضطرب الملك، وشعر بثقلٍ في صدره، إذ تذكّر نبوءةً قديمة تقول:
«إذا استيقظ الكتاب قبل أوانه، سقط تاج، وضاع اسم، وتغيّر وجه المدينة.»
وسألها بصوتٍ خافت:
— «ومن يكون المفتاح؟»
فقالت دون تردّد:
— «غلام… لم يُكتب اسمه بعد.»
الليلة الثالثة: حين تلتقي الطرق
في سوق المدينة، التقى نور برجلٍ غريب، يلبس
قال له الرجل:
— «هل تعرف لماذا لا تخاف الريح منك؟»
قال نور:
— «لأني وُلدتُ منها.»
فضحك الرجل، وقال:
— «إذن… حان الوقت.»
وأعطاه خاتماً من فضة، منقوشاً عليه رمزٌ لا يُقرأ، وقال:
— «إذا رأيت البرج… لا تفتح الكتاب.
دعه يفتحك أنت.»
ثم اختفى، كأنه لم يكن.
وهنا، يا سيدي، سكتت الحكاية عن الكلام المباح…
لأن ما سيأتي ليس لكل أحد.
الليلة الرابعة: فتح البرج
مضت الأيام، وثقلت الأحلام على صدر نور، حتى بات يشعر أن النوم نفسه صار باباً يُطرق بعنف.
وفي ليلةٍ سكنت فيها الريح سكونَ المحتضر، رأى البرج مرةً أخرى، لكنّه هذه المرّة لم يكن بعيداً.
كان واقفاً أمامه.
لم يكن للبرج باب، كما قيل، غير أنّ الخاتم الفضي في يده أخذ يسخن، حتى كاد يحرق جلده، فانشقّ جدار البرج شقّاً خفيفاً، كابتسامةٍ حزينة، ودخل نور.
في قلب البرج، وُضع كتاب الأقدار السبعة على منضدةٍ من نور، لا ورق له ولا حبر، بل صفحات من هواءٍ متجمّد.
وما إن اقترب نور، حتى سمع الأصوات التي طالما سكنت أحلامه تقول بصوتٍ واحد:
«لسنا قدراً عليك،
نحن اختياراتٌ هربت من أصحابها.»
مدّ نور يده، ثم تذكّر كلمات الرجل الغريب:
لا تفتح الكتاب… دعه يفتحك أنت.
فأغمض عينيه.
الليلة الخامسة: انكشاف الحقيقة
حين فتح نور عينيه، لم يرَ الكتاب، بل رأى
طفلاً، وشاباً، وشيخاً، وملكاً، وغريباً، ومطروداً، ومحبوباً.
فهم حينها الحقيقة:
لم يكن كتاب الأقدار يكتب مصائر الناس،
بل يحفظ ما رفضوه،
وكل ما لم يُعش،
وكل كلمة لم تُقال خوفاً.
وكان الملك شمس الدين واحداً ممن هربوا من قدرهم.
وفي اللحظة ذاتها، اهتزّت المدينة، وسقط تاج الملك من رأسه، لا لأن نور أراد ذلك، بل لأن الوقت حان.
الليلة السادسة: الملك يتنازل
دخل الملك البرج، شيخاً منهكاً، بلا حرس ولا هيبة.
قال لنور:
— «أكنتَ أنت النهاية؟»
فأجابه نور بهدوء:
— «بل البداية التي أخّرتها.»
ركع الملك، لا ذلّاً، بل ارتياحاً، وقال:
— «احمل عني ما لم أستطع حمله.»
وما إن نطق كلماته، حتى ذابت الصفحات السبع، وتحولت إلى ريحٍ لطيفة، خرجت من البرج، ومرّت على المدينة.
وفي تلك اللحظة، توقفت مدينة الريح…
واستقرّت.
لأول مرة منذ خُلقت.
الليلة السابعة: ما بعد الحكاية
لم يُتوَّج نور ملكاً،
ولم يجلس على عرش،
بل فتح أبواب المدينة لكل من ضلّ طريقه يوماً.
صارت مدينة الريح مدينة المقام،
من يدخلها، يجد نفسه،
ومن يخرج منها، يخرج أخفّ.
أما الكتاب، فلم يُرَ بعد ذلك أبداً،
وقيل إنه لم يختفِ…
بل صار في صدور الناس.
وأما نور، فقد شوهد بعد أعوام، يسير في الطرقات، يبتسم للغرباء، وحين يُسأل عن اسمه يقول:
«أنا حكاية… انتهت كي تبدأ غيرها.»
الخاتمة
وهكذا،
لم تنتهِ الحكاية بموتٍ ولا دم،
بل بانعتاقٍ وطمأنينة،
لأن أجمل النهايات
هي تلك التي تُصالح الإنسان مع نفسه.
تمّت الحكاية…
والله أعلم بما كان وما يكون. 🌙📖
.