الهدهد وشيخ الرقاعين حسن الشرقاوي
كان يا ما كان، في قديم الزمان، قبل ما السنين تتكدّس فوق السنين، وفي مدينة بعيدة تحيط بها الأسوار العالية وتغفو عند أطرافها الأزقة الضيقة، عاش رجل بسيط يُعرف بين الناس بلقب الهدهد، لا لشيء إلا لكثرة شروده وقلة حيلته.
كان الهدهد يسكن كوخًا متهالكًا عند حافة المدينة، مع زوجته أمّ سنابل، امرأة حادة الطبع، سريعة الغضب، لكنها صبورة إلى حدٍّ يُوجع القلب.
كان الهدهد عاطلًا عن العمل منذ شهور طويلة، يقضي نهاره جالسًا عند باب الكوخ، يراقب الغيوم أو يحدّث نفسه عن أيامٍ لم تأتِ قط.
أما أمّ سنابل فكانت تخرج مع الفجر، تجمع الخِرق البالية، وتصلح الثياب الممزقة مقابل قروش قليلة تعود بها مع الغروب.
وفي مساءٍ خانق، عادت أمّ سنابل من السوق وهي تضرب الأرض بقدمها، رمت كيس القماش جانبًا وقالت بمرارة:
— إلى متى سأظل أرقّع ثياب الناس وأنت جالس كأنك ظلّ بلا صاحب؟
رفع الهدهد رأسه بتثاقل وقال:
— وما العمل يا امرأة؟ السوق راكد، والرزق شحيح، والناس بالكاد تطعم أبناءها.
ضحكت بسخرية وقالت:
— الرزق لا يأتي لمن ينتظره، بل لمن يعرف من أين يُؤخذ.
اقتربت منه وهمست كأنها تبوح بسرّ خطير:
— رأيت اليوم في السوق رجالًا لا يزرعون ولا يحصدون، ومع ذلك تملأ الدراهم جيوبهم.
سألها بعينين متوجستين:
— وكيف ذلك؟
قالت بثقة:
— يدّعون معرفة الأسرار، يقرؤون الحظ، ويتكلمون عن الغيب… الناس تحب من يخبرها بما
لم ينم الهدهد ليلتها. وفي الصباح، أخذ كيسًا صغيرًا من تراب ناعم، ولفّه في خرقة قديمة، واتجه إلى السوق.
وقف في منتصف الساحة وصاح بصوتٍ متهدّج:
— بدرهمٍ واحد… أفتح لك باب قدرك!
تجمّع الناس بدافع الفضول، ثم الفضول صار طمعًا، والطمع صار تصديقًا.
خطّ الهدهد خطوطًا عشوائية، ونطق بكلمات عامة، فكلُّ إنسان يرى ما يريد أن يراه.
ومع كل كلمة، كانت درهمٌ تسقط في كفه، حتى ثقل الكيس وابتسم قلبه لأول مرة.
لكن السوق لا يخلو من العيون، ولا الرزق من الحسد.
في زاويةٍ مظلمة، كان شيخ الرُّقّاعين، كبير المتنبئين في المدينة، يراقب المشهد وقد اشتعلت عيناه غيظًا.
نادَى أحد أتباعه وقال:
— من هذا الذي سرق خبزنا؟
فقال الرجل:
— غريب يا سيدي، ليس من جماعتنا، والناس ملتفّة حوله.
زمجر الشيخ:
— إذن لا بد أن يُختبر.
تقدّم الشيخ بخطوات واثقة، وفي طريقه لمح قطًا أسود يطارد فأرًا، فابتسم ابتسامة خبيثة.
أمسك بطرف عباءته وتركها تتدلّى حتى علقت بها شعرة من ذيل القط دون أن ينتبه أحد.
وقف أمام الهدهد وقال بصوت هادئ:
— لا أريد أن أعرف حظي… بل أريد أن أعرف قدرك.
ارتبك الهدهد، لكن الشيخ أكمل:
— أنت دخلت أرضًا ليست لك، فإن كنت صادقًا نجوت، وإن كنت دجالًا… هلكت.
رفع الشيخ العباءة وقال:
— أخبرني… ما الذي علق بثوبي دون أن أراه؟
تجمّد الدم في عروق الهدهد.
نظر إلى الرمل، ثم إلى وجوه الناس،
يا رب… إن كان هذا آخر يوم لي، فاجعل لي كلمة واحدة تنقذني.
فتح عينيه وقال بثبات لم يعرفه من قبل:
— ليس ما علق بثوبك هو المهم… بل كيف علق.
ساد الصمت.
قال:
— تركتَ الأمر يحدث دون تدخل، كما يفعل من يظن أنه يملك كل شيء… لكن القدر أسرع من يده.
تبادل الناس النظرات، وارتبك الشيخ للحظة، ثم انفجر ضاحكًا وقال:
— صدقت!
ومدّ يده للهدهد:
— من اليوم، أنت واحدٌ منا.
عاد الهدهد إلى كوخه تلك الليلة، والدراهم تملأ جيبه، لكنه نظر إلى أمّ سنابل نظرة مختلفة.
لم يكن قد عرف الغيب…
لكنه عرف أن الجرأة أحيانًا، تصنع معجزة.
لم تنم أمّ سنابل تلك الليلة.
كانت تنظر إلى كيس الدراهم كأنها تخشى أن يختفي مع الفجر، بينما الهدهد جالس في الركن، ساكتًا على غير عادته، يتأمل النار الضعيفة في الموقد.
قالت بعد صمت طويل:
— شايف؟ قلتلك الرزق يحب الجريئين.
هزّ رأسه ببطء، لكنه لم يبتسم.
في الصباح، جاء رسول من شيخ الرُّقّاعين، يحمل عصًا قصيرة وعلامة محفورة عليها رموز غامضة، وقال:
— الشيخ ينتظرك قبل شروق الشمس الثانية.
عرف الهدهد أن اللعب الحقيقي لم يبدأ بعد.
دخل دار الجماعة، مكانٌ بارد الجدران، تغطيه روائح البخور والهمس القديم.
كان الشيوخ يجلسون في دائرة، وفي الوسط حفرة ضحلة مملوءة بالرمل الأسود.
قال الشيخ الكبير:
— من اليوم، لن تقرأ الرمل للناس فقط… ستقرأه لنا.
بدأت
أسئلة لا إجابة لها، طلاسم بلا معنى، نظرات تفتّش القلب لا العقل.
الهدهد لم يكن يعرف شيئًا، لكنه تعلّم شيئًا واحدًا:
الصمت أحيانًا أصدق نبوءة.
مرّت الأيام، وذاع صيته.
صار الناس يقسمون أنه كشف لهم أسرارًا لم ينطقوا بها، بينما هو لم يفعل سوى الإنصات، وتركهم يبوحون لأنفسهم.
لكن النجاح له ثمن.
بدأ الشيخ يشك.
لم يكن الهدهد يشبههم… لم يكن يؤمن بما يقول، ولا يخاف كما يجب.
وفي ليلةٍ بلا قمر، استدعاه وحده وقال:
— الغيب لا يحب الكاذبين طويلًا.
ثم أخرج كيسًا صغيرًا وقال:
— هذا اختبار أخير… أخبرني ماذا في داخله دون أن تفتحه.
شعر الهدهد أن النهاية اقتربت.
عاد إلى الكوخ، جلس مع أمّ سنابل، وقال بصوت مكسور:
— لو لم أعد غدًا… لا تبحثي عني.
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت:
— أنت طول عمرك بتستخبى… جرّب مرة تقول الحقيقة.
في اليوم التالي، وقف أمام الشيخ والجماعة.
أمسك الكيس، لم ينظر إلى الرمل، بل رفع رأسه وقال:
— لا أعرف الغيب.
تعالت الهمسات.
وأضاف بثبات:
— لكنني أعرف الناس… أعرف خوفهم، وطمعهم، وحاجتهم لمن يسمعهم.
سقط الصمت كالحجر.
ابتسم الشيخ ابتسامة مُرّة وقال:
— أخطر العرافين… هو الصادق.
أُخرج الهدهد من الدار قبل الفجر، لا مرفوعًا ولا مكسورًا.
عاد إلى كوخه، لكن المدينة لم تعد كما كانت.
صار الناس يقصدونه لا ليسألوا عن الغيب، بل ليحكوا حكاياتهم.
أما أمّ سنابل…
فلم
صارت ترقيع القلوب.
النهاية؟
لا…
هذه كانت بداية حكاية أخرى،
حكاية رجلٍ كسب رزقه
لأنه قرر أخيرًا
أن يكون نفسه.