حماتي القديمه
الراجل أخد نفس بالعافية… وبص لحماتي بنظرة فيها عتاب: — مش هتقدري تهربي أكتر من كده…
وبعدين بصلي وقال:
— الولد… اللي اتقالك إنه مات قبل ما يتولد… عايش.
الدنيا لفت بيا.
— إيه؟!!
بصّيت لحماتي، لقيتها بتنهار على الكرسي وبتعيط: — سامحني يا محمود… أنا السبب… أنا اللي كدبت عليك.
حسيت بدموعي قربت تنزل من غير ما أحس.
— كدبتي عليّ في إيه؟!
قالت وهي بتصرخ من العياط: — مرام كانت حامل منك قبل الطلاق… وأنا خفت… خفت إنك تفضل مرتبط بيها طول العمر… وإن حفيدي يتربى في مستوى أقل مننا…
ضحكت ضحكة مكسورة: — مستوى؟! ده أنتي دلوقتي بتش… (سكت وبلعت الكلمة)
كملت وهي منهارة: — قلت للدكاترة يقولوا إن الجنين مات… وخدنا الولد… واديته لواحد قريبنا يربيه… وقطعنا كل حاجة!
سكتت لحظة… وبعدين بصّتلي: — بس ربنا ما سابنيش… اللي أخد الولد مات… ومراته رمت الطفل في ملجأ… وأنا عرفت بعد سنين…
قلبي كان بيتقطع.
— وابني دلوقتي فين؟!
الراجل على السرير قال: — في دار أيتام… وأنا اللي دورت عليه… بس ما لحقتش أعمل حاجة قبل ما المرض يمكّن مني…
قربت منه بسرعة: — اسمه إيه؟! فين المكان؟!
ابتسم ابتسامة
حماتي كانت بتبصلي بخوف: — أنت… هتعمل إيه؟
بصّيتلها نظرة عمري ما بصّيتها لحد: — هروح أجيب ابني.
سكتت لحظة… وبعدين كملت: — بس قبل كده… لازم أعرف حاجة.
قرّبت منها خطوة: — مرام كانت عارفة؟
سكتت… وسكوتها كان الإجابة.
حسيت بحاجة جوايا اتكسرت… بس في نفس الوقت، حاجة تانية اتخلقت.
إحساس إني بقيت أب.
لفيت وخرجت من البيت من غير ما أبص ورايا.
وأنا سايق، دماغي مليان صوت واحد بس:
"عندي ابن… عايش… ومستنيّ."
تاني يوم الصبح… وقفت قدام دار الأيتام…
وإيدي كانت بتترعش وأنا بخبط على الباب.
مش عارف اللي جاي هيبقى بداية جديدة…
ولا صدمة أكبر من كل اللي فات.
وقفت قدام باب دار الأيتام… إيدي بتترعش وأنا بخبط.
فتحلي راجل في الخمسينات، بصلي باستغراب: — أيوه يا فندم؟
بلعت ريقي بصعوبة: — أنا… جاي أسأل عن طفل اسمه يوسف.
نظراته اتغيّرت شوية، وقال: — حضرتك تبقى إيه ليه؟
سكت لحظة… وبعدين قلت بصوت مبحوح: — أبوه.
دخلني وقعدني في مكتب بسيط، وفضل يبصلي كأنه بيقيس صدقي.
بعد شوية قال: — يوسف بقاله سنين هنا… طفل هادي جدًا… بس دايمًا لوحده.
الكلام ده
— ممكن أشوفه؟
هز راسه وقال: — استنى هنا.
الدقايق عدّت تقيلة… لحد ما الباب اتفتح.
ودخل طفل صغير… حوالي 7 سنين… شعره أسود ناعم، وعيونه… نفس عيوني بالظبط.
وقفت مكاني… مش قادر أتحرك.
هو كمان وقف… وبصلي بنظرة فيها حذر.
قربت منه خطوة واحدة: — اسمك يوسف؟
هز راسه آه.
ركعت قدامه… وصوتي كان بيتهز: — أنا… محمود.
سكت لحظة… وبعدين قلت: — أنا بابا.
الطفل بصلي شوية… كأنه بيحاول يفهم الكلمة.
— بابا؟
قلبي اتعصر.
— أيوه… بابا.
سكت… وبعدين قال بهدوء غريب: — هو مش بابا بيسيب ابنه.
الكلمة خبطت في صدري زي الطعنة.
دموعي نزلت غصب عني: — عندك حق… بس أنا ما كنتش أعرف إنك موجود… والله ما كنتش أعرف.
بصلي… وبعدين قال: — يعني إنت ما سيبتنيش؟
هزيت راسي بسرعة: — لا… عمري ما كنت هسيبك.
سكت شوية… وبعدين قرب خطوة صغيرة…
وبهدوء، حط إيده في إيدي.
في اللحظة دي… حسيت إن الدنيا كلها اتغيّرت.
الإجراءات خدت وقت… تحقيقات، ورق، وإثباتات.
لكن الحقيقة كانت أقوى من أي حاجة.
بعد شهور…
يوسف خرج معايا من الدار.
أول يوم في البيت… كان ماسك إيدي ومش راضي يسيبها.
كان بيبص لكل حاجة حوالينه بفضول…
بعدها بأيام…
رحت لحماتي.
كانت قاعدة قدام نفس البيت… أضعف من الأول.
بصّتلي بخوف: — عملت إيه؟
رديت بهدوء: — رجعت ابني.
دموعها نزلت: — سامحني يا محمود…
سكت لحظة… وبعدين قلت: — أنا سامحتك… بس عمري ما هنسى.
لفّيت أمشي… لكنها نادت عليا: — طب… ممكن أشوفه؟
وقفت… وفكرت.
وبعدين قلت: — لما يكبر… وهو يقرر.
وسبتها ومشيت.
أما مرام…
هي اللي جتلي.
وقفت قدام بابي بعد سنين، ووشها كله ندم.
— يوسف فين؟
رديت بهدوء: — ابني معايا… وبيتعوض عن كل اللي فات.
قالت وهي بتعيط: — أنا عايزة أشوفه… أنا أمه.
بصّيتلها نظرة هادية: — الأم… مش بس بالدم… الأم بالاختيار.
سكتت… ومقدرتش ترد.
كملت: — لما يكبر… هو اللي يقرر يعرفك ولا لا.
وقفت لحظة… وبعدين قفلت الباب بهدوء.
مرت سنة…
يوسف بقى جزء من حياتي… ضحكته بتملى البيت، وصوته بيناديني “بابا” بقى أغلى حاجة عندي.
في يوم، وهو نايم على كتفي، سألني: — إنت زعلان مني إني كنت بعيد عنك؟
ابتسمت وضمّيته: — لا يا حبيبي… أنا زعلان من نفسي إني اتأخرت أوصلك.
بصّيتله وهو نايم… وافتكرت كل اللي حصل.
حماتي… مرام… الكدب… السنين اللي
لكن في الآخر…
الحقيقة رجعتلي حقي.
وربنا عوّضني بحاجة عمري ما كنت أتخيلها.
ابني.
✨ النهاية ✨