سر جارتي
لدرجة إني مكنتش قادرة أخد نفسي.
زقيت الباب براحة وقلت بصوت بيترعش
طنط نورا..؟
سكوت.. سكوت مرعب.
دخلت الشقة، كانت ريحتها غريبة.. هدوء زايد عن اللزوم.
التلفزيون مطفي، الشبابيك مقفولة، والضلمة مالية المكان.
وفجأة شفتها..
كانت واقعة في صالة الشقة.. مرمية على الأرض ومبتتحركش.
وطبق الرز بلبن اللي كانت جايباهولي لسه على السفرة زي ما هو.. ملمستوش.
طنط نوراااا!
جريت عليها، إيدي كانت بتترعش وأنا بلمس وشها.
كان ساقع.. بس لسه فيه نبض.
خليكي معايا.. عشان خاطري يا طنط متسيبينيش..
صوتي كان طالع حتت حتت من كتر الخوف.
مسكت الموبايل وطلبت الإسعاف، مكنتش عارفة أجمع جملة مفيدة
الحقونا.. جارتي وقعت ومبتنطقش.. العنوان... أرجوكم بسرعة!
كل ثانية كانت بتعدي كأنها سنة.
قعدت على الأرض، ورفعت راسها على حجري.. ابني بدأ يعيط بهستيريا.
ولأول مرة في حياتي.. حسيت إني تايهة ومكسورة.
همست لها
مينفعش تمشي وتسيبينا.. مش دلوقتي.. لسه في كلام كتير مقلناهوش.
صوت السارينة
بتوع الإسعاف دخلوا بسرعة.. حركاتهم كانت سريعة، احترافية، بس باردة.
أخدوها مني.. وقفت بعيد وأنا شايلة ابني وببص عليهم، مش عارفة أنا هفقد حد بقيت بحبه بجد.. ولا لسه في أمل؟
بعد كام ساعة.. في المستشفى.
طرقة طويلة، ريحة مطهرات، وجو بارد وكئيب.
كنت رايحة جاية في الطرقة، مكنتش قادرة أقعد لحظة.
لحد ما الدكتور خرج من الأوضة
حضرتك من قرايبها؟
ترددت ثانية، بس جاوبت بثقة
أيوه.. بنتها.
بص لي بنظرة فاحصة وهز راسه
هي ضغطها وطى فجأة وأغمى عليها.. بس الموضوع أكبر من كده.
قلبي وقع في رجليا
في إيه يا دكتور؟ طمني!
الست عندها حالة جفاف شديدة.. وضعيفة جداً. واضح إنها مكنتش بتاكل كويس بقالها أيام.
الكلام نزل عليا زي الصاعقة.
هي.. هي كانت لوحدها..
الدكتور كمل بأسى
للأسف.. والظاهر إنها مكبرة دماغها ومطلبتش مساعدة من حد.
غمضت عيني.. كنت عارفة.
طنط نورا من النوع اللي يموت بكرامته ولا إنه يطلب لقمة من حد.
لما سمحوا لي أدخل لها الأوضة..
كانت نايمة.
قربت منها براحة، ومسكت إيدها
خضيتي قلبي عليكي يا طنط..
فتحت عينيها ببطء، بدأت تدور عليا وسط الأجهزة.. ولما شفتني، بدأت تعيط بصمت.
قالت بصوت مخنوق ومكسور
كنت فاكرة.. إنك مش هترجعي تخبطي تاني.
صدري اتطبق من الوجع، قلت لها
أنا عمري ما مشيت أصلاً عشان أرجع.
سكتنا شوية.. السكوت كان مليان كلام كتير.
أنا زعقت لك.. قالت وهي بتبص في السقف وطردتك.. وكسفتك..
كنتي خايفة يا طنط، والوحدة مرة.. مفيش حد بيلوم حد وهو خايف.
بصت لي وقالت بكسرة
كنت.. وحيدة.. وحيدة أوي يا ولاء.
ضغطت على إيدها بقوة وقلت لها الكلمة اللي غيرت حياتنا إحنا الاتنين
خلاص يا طنط.. مفيش وحدة بعد النهاردة.. إنتي هتيجي تعيشي معايا.
بصت لي بذهول
إيه اللي بتقوليه ده يا بنتي؟
أنا عندي مكان، وعندي بيبي محتاج حد يغني له ويحكي له حواديت.. وأنا محتاجة حد يحسسني بوجوده لما الدنيا تضيق بيا.
عينيها اتملت دموع
بس أنا.. هتقل عليكي.. أنا ست كبرت وخلاص.
ضحكت وقلت لها
لو تعبتيني هنتخانق.. وبعدين نتصالح على طبق رز بلبن.
ضحكت ضحكة ضعيفة وقالت
إنتي مجنونة ومحدش يقدر عليكي..
عارفة.. ولسه مشفتيش حاجة.
سكتت لحظة طويلة، وبعدين همست
ماشي.. بس هاخد الزرع بتاعي معايا.. مش هسيبه.
بعد سنتين..
بيتي دلوقتي مليان.. ضحك، ريحة أكل بيتي، لِعب مبعثرة في كل حتة.. وزرع، زرع في كل ركن.
طنط نورا عايشة معايا.. هي الجدة اللي ابني بيعشقها، بيناديها تيتة بحب ملوش وصف.
في أيام حلوة.. وأيام صعبة.. لأن الوجع القديم مش بيمشي بالساهل.
بس المهم.. إنها مبقتش لوحدها.. وأنا كمان مابقتش لوحدي.
وساعات، رغم إننا في بيت واحد..
بحب أحافظ على الطقس بتاعنا.
أمسك كوباية فاضية، وأروح أخبط على باب أوضتها..
طنط نورا.. ممكن كوباية مية؟
تبص لي وتضحك وهي بتهز راسها
يا بنتي ما الحنفية عندك في المطبخ!
أهز كتافي وأقولها
عارفة.. بس أنا بحب أشرب من إيدك إنتي.
وتقوم، وتجيب المية.. وهي بتضحك.
لأن الموضوع في الآخر.. مكنش أبداً عن المية.
الموضوع
تمت بقلم مني السيد