أمي وابويا
رجعت البيت وأنا مبتسمة، ناوية أفاجئ أمي وأبويا بس أول ما دخلت لقيتهم....
كانوا واقعين على الأرض ساكنين تمامًا.
مفيش حركة.
مفيش صوت.
لاحقًا، الدكتور قال إنها كانت حالة تسمم.
وبعدها بأسبوع اللي جوزه اكتشفه خلّى جسمي كله يترعش.
آخر مرة شفت فيها أمي، كانت مُصرة تديني علبة شوربة فراخ، كأنها بتسلمني كنز.
إنتي خسّيتي خالص خدي دي من غير نقاش.
أبويا، من على السفرة، رفع عينه من الجرنال وابتسم ابتسامته الهادية
اسمعي كلامها لما أمك بتحط حاجة في دماغها محدش بيعرف يكسبها.
ضحكت، وقلت لهم هرجع الأسبوع الجاي.
وكنت فعلاً ناوية
بس زي كل مرة الحياة دخلت في النص.
شغل، اجتماعات، مناسبة، سفر اتلغى، دور برد سخيف
كل حاجة بتتزاحم لحد ما بتبلع المهم.
عشان كده، لما أختي بسمة بعتتلي يوم التلات
ممكن تعدّي على بيت بابا وماما تاخدي الجوابات؟ إحنا مسافرين كام يوم وخلي بالك باب البدروم بيعلق.
رديت عليها فورًا حاضر.
المرة دي، مش هبقى البنت اللي بتقول هعمل وبس.
المرة دي
خلصت مكالمة شغل متأخر، وعدّيت أجيب لهم حاجات بيحبوها عنب من غير بذر، زبدة غالية بابا بيحبها وبيمثل إنه مش مهتم، ورغيف عيش سخن لسه طالع.
كنت سايقة وأنا مبتسمة، متخيلة وش أمي لما تشوفني فجأة.
كل حاجة في المنطقة كانت زي ما هي
نفس الشجر، نفس البيوت المرتبة، نفس الأنوار اللي بتولع واحدة واحدة مع الغروب.
بس وأنا بنزل من العربية، حسيت بحاجة غريبة.
الليّ بتاع الجنينه ملفوف بطريقة زيادة عن اللزوم كأن محدش لمسه من أيام.
المرجيحة ساكنة.
حتى جرس الريح بتاع أمي ساكت.
السكون ده ماكانش راحة
كان تقيل.
لزق في صدري.
رنّيت الجرس.
مفيش رد.
خبطت
ماما؟ أنا جيت.
ولا حاجة.
حاولت أقنع نفسي إنهم خرجوا
بس العربيتين كانوا موجودين.
فتحت بالمفتاح
صوت الباب كان عالي بطريقة مرعبة.
أول ما دخلت، حسّيت بيها.
مش ريحة دخان ولا غاز
بس هوا تقيل خانق.
في حد؟
صوتي ضاع في البيت.
النور مولع والتلفزيون مطفي.
وده مش طبيعي.
أمي كانت دايمًا بتسيب التلفزيون شغال حتى لو مش
خطوة ورا التانية
لحد ما شفتهم.
أمي واقعة على جنب، إيدها ممدودة كأنها كانت بتحاول توصل لحاجة.
وأبويا على ضهره، نظارته ميلة وبقه مفتوح نص فتحة.
في لحظة، مخي رفض يستوعب.
الكيس وقع من إيدي
العنب اتدحرج على الأرض.
ماما؟
صوتي ماكنش صوتي.
وقعت على ركبتي، ولمست وشها
بارد.
مش تلج
بس بارد كفاية يخوف.
لا لا لا
هزّيتها مفيش رد.
جريت على أبويا، وحاولت أحس نبضه
خدت وقت طويل لحد ما لقيته.
ضعيف ومتلخبط بس موجود.
بابا! فوق! بصلي!
ولا رد.
الموبايل وقع مني مرتين قبل ما أعرف أكلم الإسعاف.
كنت بعيط ومش عارفة أقول العنوان.
بعدها كل حاجة بقت زحمة.
صوت سرينة
نور أحمر وأزرق
الناس بتبص من الشبابيك
حد بيبعدني عنهم
وحد بيغطي أمي.
فاكرة أختي بسمة وهي وصلت المستشفى
وشها أبيض من غير دموع.
وفاكرة الدكتور
وهو بيقول الجملة اللي كسرتني
والدك لسه عايش بس حالته خطيرة جدًا. أما والدتك البقاء لله. في دلائل واضحة على تسمم.
تسمم.
الكلمة غرست جوايا زي نار.
الشرطة بدأت
مين كان موجود؟
مين معاه مفتاح؟
مين جاب لهم أكل؟
مين آخر واحد شافهم؟
كنت برد بس مش حاسة بنفسي.
بسمة كانت بتقول إنها مدمرة بس مش بتبصلي في عيني.
وجوزي كريم كان بيحاول يطمني
لحد ما بعد أسبوع
رجع من بدروم البيت
وشه شاحب
وفي إيده حاجة صغيرة.
حاجة ماينفعش تكون هناك.
حاجة مكتوب عليها اسمي.
قال بصوت واطي
ماكنتش عايز أقولك بالطريقة دي بس لازم تشوفي ده حالًا.
يا ترى كريم لقى إيه في البدروم؟
وليه في حاجة باسمي مستخبية هناك؟
ولو فعلاً حصل تسمم كانوا بيحموا مين قبل ما يقعوا؟
اللي حصل بعد كده
كريم كان واقف قدامي، وشه شاحب بشكل يخوّف أكتر من أي خبر سمم سمعته قبل كده.
في إيده علبة معدنية صغيرة متغطية بطبقة تراب، عليها حتة لاصق قديم مكتوب عليها بخط أمي
لو اتفتحت مفيش رجوع.
قلبي اتقبض.
إنت لقيت ده فين؟ قلت بصوت مبحوح.
رد وهو بيبص للأرض
ورا الحيطة في البدروم مش مدفون عادي متخبّي كأن حد كان خايف حد يوصله.
إيدي كانت بترتعش وأنا بلمس العلبة.
لحظة فتحها
جواها
ظرف
ومفتاح صغير
وفلاشة قديمة.
فتحت الظرف الأول.
خط أمي بس