سر الأب المفقود
قتلت صاحب عمرك وعياله اللي كانوا بيقولولك يا عمو؟
ضحك ببرود وقال أنا مقتلتش حد، هو اللي كان سايق وهو اللي لبس في المنحدر.. أنا بس ساعدت العربية إن فراملها تخون صاحبها في الوقت المناسب. بس قوليلي.. الورقة دي فين؟
في اللحظة دي موبايلي رن في جيبي، مكنتش مكالمة.. ده كان تسجيل شغال من أول ما دخلت. ليلى بنتي كانت واقفة ورا الباب ومعاها الموبايل التاني اللي بعتله التسجيل لايف.
بصيتله بثقة وقولتله الورقة في مكان أمين، والكلام اللي إنت لسه قايله ده دلوقت اتسجل واتبعت ل ابن عمي اللي في المكتب الفني للنائب العام.. اجهز يا هشام، عشان الخمس سنين اللي عشتهم في حضننا وإنت قاتلهم، هتدفع تمنهم غالي أوي.
هشام اتجنن وجري عليا يحاول ياخد الموبايل، بس فجأة الباب اتخبط بقوة وصوت سرينات الشرطة ملى المكان. ليلى كانت بلغت النجدة كمان أول ما نزلنا.
وقع في الأرض وهو مش مصدق إن الدبدوب الصغير هو اللي هدم الامبراطورية اللي بناها على جثث أقرب الناس ليه. وأنا وقفت ودموعي نازلة، مش وجع بس، دي كانت بداية نار هتاكل هشام، ووعد مني لعلاء وولادي.. إن حقهم مش هيبات برا تالت يوم.
هشام انهار تماماً والكلبشات بتقفل على إيده،
تاني يوم، رحت النيابة مع ابن عمي عشان أسمع أقوال هشام في التحقيق. وهناك كانت الصدمة اللي مكنتش على البال.. هشام وهو مضغوط عليه ومنهار، اعترف بحاجة خلت الدنيا تدور بيا من تاني.
قال أنا مكنتش عاوز أموت العيال.. أنا كنت عاوز أكسر علاء بس. اليوم ده، العربية اتقلبت فعلاً، بس لما رحت هناك قبل الإسعاف، لقيت ابنه الكبير ياسين لسه فيه الروح.. كان بيتحرك وبيحاول يخرج من العربية.
دموعي نزلت زي المطر وسألت بصريخ وياسين فين؟ عملت فيه إيه يا مجرم؟
هشام نزّل راسه في الأرض وقال بصوت واطي خفت لو عاش يحكي اللي حصل.. ف أخدته ووديته لواحد في منطقة مقطوعة في الصعيد، وقولتله ده طفل يتيم وتايه خليه عندك وانسى أهله.. ياسين لسه عايش يا صافي.. ياسين مماتش مع أبوه.
مسمعتش باقي الكلام، الدنيا اسودت في عيني ووقعت من طولى. ابني؟ ابني الكبير لسه عايش؟ خمس سنين وهو بعيد عني؟ خمس سنين وهو فاكر إنه لوحده؟
فوقت وأنا في المستشفى، وليلى وباقي البنات
ابن عمي دخل الأوضة ومعاه خبر يبرد النار صافي.. إحنا حددنا المكان اللي هشام قال عليه في سوهاج.. وقوة من الشرطة دلوقتي في الطريق لهناك. هشام أرشد عن الراجل اللي سلمه الولد.
عدت ساعات وكأنها سنين، لحد ما الموبايل رن.. كان فيديو كول. فتحت والشاشة كانت مهزوزة، وبعدين ظهر وش ولد ملامحه كبرت، بس عينيه هي هي عيني.. عينين ياسين.
أول ما شافني على الشاشة صرخ بوجع وهز جبال ماما؟ إنتي لسه عايشة؟ هما قالولي إنكم موتم كلكم في الحادثة!
في اللحظة دي، عرفت إن الدبدوب مكنش بس كشف الحقيقة.. ده كان طوق النجاة اللي رجعلي حتة من روحي كانت ضايعة تحت التراب. حق علاء جه، وياسين ، وهشام نهايته هتبقى ورا القضبان لحد ما يقابل ربه بالحمل التقيل اللي شاله.
المشهد الأخير كان في بيت العيلة، البيت اللي مكنش بيدخله نور من خمس سنين. ياسين رجع، بس مكنش الطفل الصغير اللي سابنا، كان راجل شال همّ الجبال في عينه. دخل البيت بخطوات مرعوشة، وأول ما عينه جت في عيني، مكنش فيه كلام يوصف اللحظة دي.. وكأنه بيرجع للحياة، والبنات اتلموا حوالينا والبيت كله
ياسين حكالي إن الراجل اللي هشام رماه عنده كان بيشغله في الفلاحة، وكان ديما يقوله إن أهله كلهم ماتوا في حادثة وإن هشام هو فاعل الخير اللي أنقذ حياته. كان بيعيش كل يوم وهو مكسور، بس كان جواه يقين إن فيه حاجة غلط.
بعد كام يوم، هشام اتحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة بتهمة الشروع في قتل وتزوير محاضر رسمية وخطف، والقصة بقت رأي عام في مصر كلها. الناس مكنتش مصدقة إن فيه غدر يوصل للدرجة دي.
في ليلة، وأنا قاعدة مع ولادي كلهم في الصالة، وبنتفرج على صورة علاء وولادي التانيين اللي راحوا، ياسين طلع من جيبه حاجة.. كانت ساعة علاء، الساعة اللي كان لابسها يوم الحادثة.
قال لي بصوت مخنوق يا ماما، بابا وهو بيلفظ أنفاسه الأخيرة في العربية، قلع الساعة دي وداها لي وقالي خلي بالك من أمك وإخواتك.. وهشام هو اللي غدر بينا. أنا شلت السر ده في قلبي خمس سنين عشان كنت خايف يقتلني أنا ك زو
لو اتكلمت.
بصيت للساعة وضميتها لصدري، وحسيت إن روح علاء دلوقتي بس ارتاحت. البيت اللي كان ضلمة، بقى مليان بحس ياسين، وليلى الصغيرة بقت بطلة العيلة اللي بفضل دبدوبها القديم، رجعت اناأ حقنا وجمعت
النهاية.