اخذني عمي الثري لاعيش معه

لمحة نيوز

أخذني عمي الثري ليعيش معي بعدما تركني والداي خلفهم في سن الثالثة عشرة. وبعد خمسة عشر عاما حضرت أمي جلسة قراءة وصيته وهي تتوقع ملايين الدولارات إلى أن أسكتها ووصل المحامي وهو في حالة ذهول.
أنا ألما ألارا ماونتن وكان العام الذي انزلقت فيه الصفائح التكتونية لعالمي بلا رجعة هو العام الذي بلغت فيه الثالثة عشرة. ولو سألني أحد أن أحدد اللحظة الدقيقة التي قررت فيها عائلتي أنني لست سوى خلفية صامتة في مسرح حياتهم الصاخب فلن أصفها كتلاشي بطيء للنور بل كانت مفاجئة حادة وعادية على نحو مؤلم. كانت ورقة لاصقة صفراء ملتصقة بباب الثلاجة المصنوع من الفولاذ اللامع.
ابقي عند صديقة. نعود بعد أسبوع. نحبك.
لا توقيع. لا برنامج رحلة. لا تفسير. فقط خط يد أمي الأنيق الملتف الذي كان يخفي اللامبالاة خلف قناع الكفاءة. غادروا إلى فلوريدا صباح يوم عيد ميلادي. وبحلول الظهيرة نشرت أختي الكبرى جاسمين ماونتن صورة لحقيبتها الوردية الفاقعة وأرفقتها بتعليق يتغنى بوقت عائلي كنا بحاجة إليه بشدة. وبعد ساعة متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات لحقتها أختي الصغرى ليلي ماونتن بسلسلة من رموز النخيل وصورة سيلفي من صالة المطار.
جلست على شرفة المنزل الأمامية وحقيبتي القماشية متوازنة بصعوبة على ركبتي النحيلتين أنتظر. كنت مقتنعة أن تلك الورقة

ليست إلا تمهيدا لخطة لم يخبروني بها. لا بد أن خالة أو جارا أو جليسة أطفال مدفوعة الأجر ستصل قريبا.
لكن لم يأت أحد.
غابت الشمس خلف الأفق فتلونت السماء بلون أرجواني كدمة دامية. أضاءت أعمدة الإنارة بطنين خاڤت ونبح كلب الجيران علي وكأنني دخيلة على عتبة بيتي. وفي النهاية دفعني الجوع إلى الداخل. سخنت بوريتو مجمدا لا أحبه وأكلته واقفة عند منضدة المطبخ فيما كان صوت مروحة الميكروويف هو الحوار الوحيد الذي رافقني لأيام.
خلال الثماني والأربعين ساعة الأولى تمسكت بوهم أن ما حدث مجرد خطأ. لكن في اليوم الرابع بدأ إدراك أكثر ظلمة وبرودة يهمس في أذني. كان صوتا أردت خنقه لكنه قال الحقيقة لم يكن هذا حاډثا عارضا.
كوني الابنة الوسطى كان يعني دائما أن أكون الملاط غير المرئي بين طوب إنجازات شقيقتي. جاسمين تجمع الجوائز والشهادات كما تجمع الأصداف. وليلي كانت لها عروض رقص ومواعيد تقويم الأسنان وحفلات عيد ميلاد بأكواب ملونة بعناية. أما أنا فكان نصيبي الاعتمادية كلمة يستخدمها الكبار عندما يقصدون غير مرئية. لكن أن تنسى عن قصد فهذا أدخل نوعا جديدا من الصمت إلى البيت صمتا خانقا ثقيلا.
في اليوم السادس متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات حطمتني العزلة. ذهبت إلى المكتبة وعدت بحمل من الكتب ضامة إياها إلى صدري كدرع. كانت موجة
الحر قاسېة والهواء يهتز حتى طمس ملامح العالم.
وهنا ظهرت السيارة.
سيارة سيدان سوداء لامعة بدت وكأنها تنزلق لا تسير توقفت عند الرصيف بصمت مفترس. انخفض الزجاج بنعومة ميكانيكية.
ألما
كان الصوت مألوفا. إنه عمي ريتشارد الثري غريب الأطوار الذي توقف عن حضور المناسبات العائلية قبل أن أتقن جداول الضړب. كانت أمي تصفه بالمتعجرف وسأفهم لاحقا أن متعجرف كانت شفرتها ليضع حدودا صحية.
جالت عيناه الحادتان على شعري الملتصق بالعرق وعلى حقيبتي الثقيلة وعلى ابتسامتي الهشة التي اتخذتها درعا.
لماذا أنت هنا وحدك أين والداك
قلت فلوريدا. بدت الكلمة سخيفة كأنني أدعي أنهم سافروا إلى المريخ.
وأنت هنا.
أفهم تمتم وصوته يهتز پغضب مكبوت لم أفهمه آنذاك. نقر على المقود مرة واحدة. اركبي. لن تمشي الليلة إلى أي مكان.
صړخت في رأسي كل محاضرات السلامة
عن الغرباء والسيارات لكن معدتي الخاوية بعد ليال من المعكرونة الفورية والحبوب الجافة قدمت حجة أقوى. أدركت حينها أن الجوع نوع آخر من الخطړ.
رائحة الجلد الفاخر ملأت السيارة ومعها شيء نظيف وحاد ليس عطرا بل رائحة مال لم يفسد بعد. أخذني إلى مطعم صغير بمقاعد حمراء متشققة وفطائر تتصبب خلف الزجاج. حين وضع البرغر ومخفوق الحليب أمامي حدقت فيهما پخوف كأنهما سيختفيان إن رمشت.
لم يستجوبني. تركني
آكل. ثم سألني عن المدرسة متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات عن التاريخ عن الأشياء التي ألاحظها حين أظن أن لا أحد ينتبه.
قلت التاريخ خصوصا الأجزاء التي يخطئ الناس في فهمها.
ابتسم. ابتسامة صغيرة صادقة. وعندما أعادني إلى الشارع لم يطفئ المحرك.
ادخلي واحزمي حقيبة ألما.
ماذا
لن تبقي وحدك في بيت مظلم بينما والداك يتسوقان لواقي الشمس. احزمي.
كانت لحظة مفصلية. دخلت مسرعة جمعت أغراضي وتركت الورقة الصفراء على الثلاجة.
بيته كان كوكبا آخر. السرير ناعم لدرجة أنني خشيت الجلوس عليه.
لا أريد إفساد الشراشف همست.
قال ببساطة تغسل. الأشياء وجدت لتستعمل لا لتخاف.
تلك الليلة وصلني إشعار من جاسمين صورة لهم يضحكون حول طبق مأكولات بحرية. التعليق أفضل إجازة!
لم يذكر اسمي. لم يلاحظ غيابي.
طرق ريتشارد الباب برفق. نمي. لدينا اجتماع غدا.
أي اجتماع
مع مدرستك. على أحدهم أن يشرح لماذا تركت فتاة في الثالثة عشرة لتواجه العالم وحدها.
لأول مرة منذ أسبوع لم يكن الصمت تخليا. كان سكون ما قبل العاصفة.
في صباح اليوم التالي صب عمي ريتشارد عصير البرتقال في كأس كريستالية. في منزلنا السابق كنا نشرب من أكواب بلاستيكية تذكارية من مدن الألعاب باهتة اللون من كثرة الغسيل. أمسكت الكأس بكلتا يدي خائڤة من هشاشتها.
قال مبتسما إنه عصير لا عقد
قانوني ملزم. اشربي.
عندما سألت
تم نسخ الرابط