لم تكن خادمة… كانت خلاصه الأخير قصة حب صامتة هزمت المال والموت

لمحة نيوز

بالصدى صدى يحمل ثقل الغياب. همس الخدم بأنها رحلت قبل الفجر بلا رسالة بلا وداع. قالوا إن السيد قد ترك وحيدا. غير أن آرثر كان يعلم في أعماقه أنها لم تتركه خيانة بل غادرت لتحمي ما تبقى من اسمه واسمها معا.
ظل واقفا بعينيه على فنجان الشاي الذي كانت تمسكه آخر مرة لا يزال دافئا قليلا كأن حرارة يدها لم تفارقه. كان الهواء مشبعا برائحة الصابون والدموع والوداع. مرت الأيام ثقيلة وتحولت إلى أسابيع وطالت الليالي بلا نوم. كل قطرة مطر كانت تذكره بارتجافة صوتها في تلك الليلة. أعاد كلماتها في ذهنه مرارا لم تعد وحدك. جاءت زيارات الأطباء ثم القساوسة لكن أحدا لم يستطع أن يخفف وطأة الغياب.
كان قد خسر ثروات من قبل لكنه لم يشعر قط بخسارة كهذه. الحب أعاده إنسانا وغيابه أعاده هشا من جديد. وفي ليلة متأخرة اقترب من البيانو وضغط مفتاحا واحدا. انبعث لحن كانت غريس تدندن به خافتة وهي تنظف. غشت الدموع بصره. لم يعزف موسيقى بل استدعى ذكريات.
وفي مكان ما من المدينة شعرت غريس بألم غامض في قلبها. كان الرابط بينهما بلا كلمات لكنه ظل حيا. صلت أن ينساها غير أن الحب لا يصغي للصلوات. كان كل فجر أشد وطأة من سابقه يعيد إلى ذهنها

عينيه.
وبينما كان العالم يمضي ظل قلبان متوقفين عند لحظة واحدة منفصلين بالجسد متحدين بالروح معاقبين لأنهما أحبا بصفاء مفرط. وبعد أشهر وصلت إلى آرثر رسالة كتبت بيد مرتجفة خطها مألوف رقيق كصوتها. تسارع نبضه وهو يفتح الورقة الهشة. بدأت ب سيدي.
اعتذرت عن رحيلها قالت إنها لم تحتمل رؤيته يتألم. كتبت عن كفاحها عن ليال مليئة بالبكاء الصامت. أخبرته أنها وجدت عملا في قرية صغيرة تعيش بتواضع ووقار. ما زلت أدعو لك كتبت أن تجد السلام في قلبك. كانت كلماتها مشبعة بالحب في كل سطر. بكى آرثر لا ضعفا بل توقيرا لذكرى مقدسة.
ضغط الرسالة إلى صدره كأنها عناق أخير. وفي صباح اليوم التالي طلب من سائقه تجهيز السيارة. قال بصوت مرتجف لكنه حازم يجب أن أراها. حذره كبير الخدم من طول الرحلة فرد بغضب مكبوت صحتي لم يعد لدي ما أخسره. امتد الطريق طويلا وكان كرسيه المتحرك مطويا إلى جانبه. كان يتمتم بالدعاء عند كل ميل يرجو فرصة أخيرة.
مع الغروب وصل إلى القرية الهادئة المغبرة. هناك قرب كنيسة صغيرة كانت غريس تساعد أطفالا على عبور الطريق. التفتت واتسعت عيناها وتدفقت الدموع فورا. ابتسم هو ابتسامة واهنة وقال أرأيت وجدت السلام حيث تكونين.

تعانقا. توقف الزمن. امتزج الألم بضياء الحب. لم تكن الكلمات ضرورية. كان صمتهما لقاء حبا لم ينطق لكنه صرخ أعلى من كل الوعود. العالم الذي فرقهما شاهدهما يتعافيان. ربما أخر القدر لحظتهما لكنه لم يمنعها.
جلب لقاؤهما فرحا غير أن القدر كان يخبئ اختبارات أخرى. تدهورت صحة آرثر بسرعة تفوق قدرة قلبه على الاحتمال. صار النفس أقصر والليل أطول. اعتنت به غريس من جديد بتفان صامت لكنها لم تعد خادمة كانت سبب حياته.
عاشا في كوخ صغير بعيدا عن كبرياء القصر. كان يبتسم وهو يراها تطهو وتدندن تحت ضوء الشمس. قال لها يوما كان لدي قصر لكنني هنا أشعر أنني في بيتي. ضحكت ضحكة أحلى من كل ثراء. وجد حبهما السلام لكن الزمن جاء يطالب بنصيبه في ليلة همس فيها الريح بين جدران الخشب العتيقة.
شد آرثر يدها بقوة لم يعهدها جسده الواهن من قبل قوة لم تكن من لحم ولا من عضلات بل من حاجة أخيرة إلى البقاء متصلا بشيء حي. قال بصوت يتآكل مع كل نفس
غريس
ثم سكت لحظة كأن الكلمة أثقل من أن تقال دفعة واحدة وهمس
عديني أنك ستواصلين الحياة لا من أجلي بل من أجلك أنت.
أومأت برأسها غير قادرة على الكلام. انهمرت دموعها على صدره دافئة صادقة كأنها تحاول
أن تعيد إليه ما يسحبه الموت ببطء. قالت بصوت مكسور لكنه ثابت
منحتني الحياة حين لم يبق لي شيء حين كنت مجرد ظل يعبر هذا العالم دون أن يراه أحد.
ابتسم ابتسامة خفيفة تلك الابتسامة التي لا تحتاج إلى عضلات بل إلى روح راضية. أغمض عينيه بطمأنينة من أنه لم يرحل فارغ اليدين ثم قال آخر كلماته كاعتراف أخير بالحقيقة التي غيرت مصيرهما معا
إذن أنقذ كل منا الآخر.
وانطفأت الشمعة.
لكن الظلام لم يكن فراغا.
تعانقت ظلالهما على الجدار لا كجسدين بل كذكرى تصر على البقاء كأن الليل نفسه توقف احتراما لتلك اللحظة.
عند الفجر حين تسلل الضوء خجولا عبر النافذة كان الكرسي فارغا. جسده ساكن وملامحه هادئة على نحو لم تعرفه في حياته. لا ألم لا توتر فقط سلام نادر سلام من عرف أنه لم يعد وحيدا حين غادر.
دفنته غريس تحت شجرة منفردة كانت الشمس تصلها كل صباح كأنها وعد صامت بالدفء الدائم وكأن الضوء اختار هذا الموضع ليقول إن الرحيل ليس ظلاما كاملا. حفرت الأرض بيديها المتعبتين لا كخادمة تؤدي واجبا بل كرفيقة درب أخير كمن يودع نصف روحه وهو يعرف أنه لن يستعيده لكنه لا يندم على منحه. كانت ضربات المعول بطيئة محسوبة كأنها تخشى أن توقظ نومه الأخير
أو أن تجرح الهدوء
الذي
تم نسخ الرابط