رواية بنت الطين..بقلم حسن الشرقاوي
الجزء الأول بنت الطين
القرية كانت دايما بتفيق قبل الشمس.
مش علشان النشاط لأ علشان الخوف.
الخوف اللي متوارث زي الأرض زي الطين اللي بيلزق في الرجلين ومايرضاش يسيب.
قرية النجع القبلي كانت متشالة على كتف جبل والجبل نفسه كان ليه سمعة
سمعة مش حلوة.
بيقولوا إن الجبل ده مربوط.
وإن اللي يتولدوا تحت ضله مش كلهم ولاد ربنا لوحده.
في بيت طين قديم حيطانه مش مستقيمة وسقفه واطي كأنه واطي قصاد اللي ساكنينه كانت عايشة زينب.
زينب بنت تسعتاشر سنة شعرها طويل تقيل أسود زي ليل من غير قمر وعينيها وسعة زيادة عن اللزوم
الناس كانت بتخاف من وسعة العين قبل ما تخاف من لونها.
أمها كانت دايما تقول
إوعي تبصي في عين حد كتير يا بت العين الواسعة بتشوف اللي مايتشافش.
وزينب كانت تضحك.
بس الضحكة دي بطلت تطلع من زمان.
أبوها مات وهي عندها عشر سنين.
قالوا وقع من فوق الجبل.
بس أمها كانت بتعيط وتقول
الجبل ما بيوقعش الجبل بياخد.
من ساعتها وزينب بقت تشيل الحمل بدري.
تشيل الميه والعجين والنار ونظرات الناس.
كانت مختلفة.
مش حلوة جمال أفلام ولا وحشة
بس فيها حاجة مش مريحة.
الشيخ عطية إمام الجامع كان أول واحد لاحظ.
كان لما تشوفه زينب يوطي عينه.
ولما تعدي من قدامه يهمس
اللهم اكفنا شر الفتن.
فتنة
هي ما عملتش حاجة.
الليلة اللي كل حاجة بدأت فيها كانت ليلة سودة من غير نجمة واحدة.
زينب كانت راجعة من الترعة بعد المغرب.
الهوا كان تقيل والضفادع ساكتةوده عمره ما كان خير.
عدت جنب الجبل.
سمعت صوتها.
مش صوت حد غريب
كان صوتها هي.
زينب
وقفت.
قلبها خبط خبطة وحشة.
تعالي.
الصوت جاي من جوه الجبل من شق ضيق مكان الناس بتبعد عنه.
قالت لنفسها
ده وهم.
بس رجليها
جوه الشق الهوا كان أبرد.
ريحته طين قديم ودم ناشف.
ما شافتش حد.
بس حست.
حست بوجود تقيل واقف وراها من غير ما يلمسها.
صوت تاني طلع مش صوتها
إنتي متربطة بينا من قبل ما تتولدي.
صرخت.
لفت مفيش حد.
خايفة
قالت وهي بتترعش
إنت مين
ضحكة خفيفة ما فيهاش هزار.
أنا العهد.
الأرض اهتزت.
جرح صغير فتح في كف إيدها من غير ما تحس.
الدم نزل.
اللي في دمك كان نايم ودلوقتي صحي.
زينب فاقت عند باب بيتهم.
الفجر كان طالع.
أمها كانت واقفة تصرخ
كنتي فين يا بنتي!
زينب ما ردتش.
كانت حاسة بتقل في بطنها مش وجع
تقل.
عدى يوم.
وبعدين يومين.
الحيض ما نزلش.
قالت لنفسها
توتر.
بس بعد أسبوع الغثيان بدأ.
وبعد أسبوعين بطنها شدت.
الدكتورة في الوحدة الصحية كشرت.
إنتي متجوزة
زينب هزت راسها.
الدكتورة سكتت وبصت للتحاليل.
ده حمل.
العالم وقع.
القرية ما بترحمش.
الخبر لف قبل ما زينب ترجع بيتها.
الستات همست.
الرجالة بصوا باحتقار.
أمها ضربت صدرها
فضحتينا!
زينب كانت بتعيط
والله ما عملت حاجة!
بس مين يصدق
الليل جه.
والصوت رجع.
ما تخافيش ده مش عار. ده علامة.
زينب مسكت بطنها.
إطلع مني!
ما ينفعش. اللي جواكي مش لحم وبس.
حست بحاجة بتتحرك
مش زي أي جنين.
حاجة بتخبط من جوه.
شيخ عطية دخل البيت من غير سلام.
بص في عين زينب ولأول مرة ما وطاش.
اتراجع خطوة.
دي مش بنت دي باب.
أمها صرخت.
الشيخ قال بصوت واطي
القرية دي اتلعنت زمان واللعنة اختارت.
زينب كانت سامعة الصوت في دماغها
قوليلهم قوليلهم إني بحبك.
صرخت
إطلعوا كلكم!
وهي حاسة إن اللي جواها بيكبر
مش في الحجم
في السيطرة.
الجزء التاني اللي ساكن في البطن
من يوم ما الشيخ عطية قال كلمة باب
والبيت ما بقاش
بقى سجن.
أم زينب قفلت الشبابيك حتى في عز الضهر
وربطت خرقة حمرا في رقبة بنتها
وجابت حجاب من عند واحدة اسمها الحاجة صفية
ست محدش بيحبها بس الكل بيخاف منها.
الحاجة صفية لما شافت زينب
ما قربتش.
فضلت واقفة عند العتبة.
وقالت
دي مش حامل دي متشالة.
زينب حست اللي في بطنها يتحرك
مش رفصة
زي ما يكون حد بيعدل قعدته.
الحاجة صفية طلبت مية من الترعة قبل الفجر
وطين من الجبل
ودم فرخة سودة.
أم زينب كانت بتنفذ وهي بتبكي.
زينب سألت
هو اللي في بطني ده إيه
الحاجة صفية بصت لها بنظرة ما فيهاش رحمة.
ده ابن عهد قديم. القرية زمان عملت صفقة
والصفقة لما ما تتجددش بتطالب.
زينب شهقت
يعني أنا ذنبي إيه!
ملكيش ذنب.
إنتي الاختيار.
الكلمة نزلت عليها تقيلة أكتر من كلمة حامل.
الطقس بدأ.
الحاجة صفية رسمت دواير بالطين
وقعدت زينب في النص.
قرأت كلام مش قرآن
ولا سحر معروف.
كلام زي الهمس
زي ما يكون حد بيتكلم من تحت الميه.
زينب حست بحرارة في بطنها
وبعدين برودة
وبعدين صوت.
مش في ودانها.
جواها.
ما تسمعيش لهم.
دموع زينب نزلت.
إنت مين
أنا اللي هيفضل معاكي لما الكل يسيبك.
الحاجة صفية فجأة صرخت
وقفي! ده واعي!
الشمعة طفت لوحدها.
الطين نشف فجأة.
والفرخة
ماتت من غير ما حد يلمسها.
من الليلة دي
زينب بطلت تنام.
كل ما تغمض
تشوف القرية وهي بتتحرق
وتشوف نفسها واقفة
وبطنها منورة.
الستات بطلوا يدخلوا عليها.
الأطفال لما يشوفوها يستخبوا.
واحد صغير قال
ماما بطنها بتتكلم.
والأمهات بقوا يقفلوا بق ولادهم.
بعد شهر
بطن زينب كانت كبرت زيادة عن الطبيعي.
الدكتورة رفضت تكشف.
مش شغلي.
الشيخ عطية قال لازم تتحبس.
قبل ما البلاء يعم.
أمها كانت ممزقة.
دي بنتي
الشيخ
وإحنا قرية كاملة.
وفي نص الخناقة
زينب وقفت.
لأول مرة تحس إن ضهرها مفروض.
قالت بصوت مش صوتها
اللي هيقرب هيخسر.
الهوا هب.
اللمبة فرقعت.
الناس رجعت خطوة.
زينب نفسها ارتعبت.
بالليل
قعدت لوحدها.
حطت إيدها على بطنها.
إنت هتضيعني.
الرد جه هادي
أنا اللي بحميكي.
من إيه
سكت شوية.
منهم.
دموعها نزلت.
أنا مش عايزة ده.
مش دايما اللي عايزينه هو اللي بيحمينا.
أم زينب حاولت تهربها من القرية.
ليل
حمارة
وطريق ترابي.
بس أول ما قربوا من آخر النجع
بطن زينب وجعتها جامد.
وقعت.
الأرض اتشقت شق صغير
والهوا بقى تقيل.
الصوت قال
مينفعش تمشي.
أمها صرخت
سيب بنتي!
رد
دي مش ملكك لوحدك.
زينب حضنت بطنها
حست لأول مرة
إن اللي جواها مش بس لعنة.
ده قوة.
وخوفها الأكبر
إنها تبدأ تحتاجه.
الجزء التالت
القرية صحيت تاني يوم
وفيها قرار متاخد من غير ما يتقال.
الستات ما طلعتش الميه.
الرجالة ما راحتش الغيط.
الجامع فتح بدري
مش للصلاة
للاجتماع.
الشيخ عطية قالها صريحة
البنت دي لازم تمشي يا تمشي من الدنيا.
ولا واحد اعترض.
الخوف لما يعشش في القلوب
بيخلي الدم رخيص.
زينب كانت قاعدة في الأوضة
حاسة إن الحيطان بتقرب.
بطنها كانت تقيلة
مش وزن
هيبة.
الصوت قال
جه الوقت.
قالت وهي بتترعش
وقت إيه
يا تختاريني
يا يختاروا هم.
حطت إيديها على ودانها.
أنا عايزة أعيش عادي.
ضحكة خفيفة طلعت من جوه بطنها.
العادي مات في القرى دي من زمان.
أمها دخلت عليها
وشها شاحب.
زينب الشيخ ناوي يعمل حضر.
زينب فهمت.
الحضر في القرى يعني
تحبيس
ربط
ورمي المفاتيح.
قالت بهدوء مرعب
لو حبسوني مش هطلع لوحدي.
أمها عيطت
إنتي بتهدديني
بحذرك.
الليل نزل.
رجالة القرية قربوا من البيت
بفوانيس
وحبال.
أول حجر اتحدف على الشباك.
زينب وقفت في النص.
حاسة بحاجة بتتمدد في ضهرها
زي جناحات مش باينة.
الصوت قال
قولي بس آه.
ولو قلت لأ
يبقى تموتي لوحدك.
بصت لأمها.
بصت لذكرياتها.
بصت للجبل.
وقالت
آه.
الهوا اتقلب.
الفوانيس طفت.
الكل وقف مكانه.
الأرض تحت رجلين الرجالة نشفت
وبعدين