الشتاء الأسود ..بقلم حسن الشرقاوي
تمهيد
لما الشتا بيدخل مابيخرجش لوحده
فيه شتا بيعدي
وفيه شتا بيسيب أثره في العضم
وفيه شتا بيغير كل حاجة.
أهل قرية المنسية كانوا دايما يقولوا إن الشتا عندهم تقيل
بس ماحدش فيهم كان فاهم يعني إيه تقيل بجد
غير لما السنة دي دخلت.
الريح ما كانتش بتصوت
كانت بتهمس.
والليل ما كانش بيظلم
كان بيتقل.
وفي وسط البياض
في وسط السكون اللي يخوف أكتر من أي صوت
كان فيه حاجة بترقب.
حاجة قديمة.
حاجة جعانة.
وحاجة ما بتيجيش غير لما البرد يوصل للعظم
الشتا الأسود.
الفصل الأول
القرية اللي الشتا قفل عليها بابه
الساعة كانت قرب الفجر
وأول ما الديك صوت صوته اختنق.
مش من البرد
من الخوف.
حسن فتح عينه بالعافية
صدره تقيل ونفسه طالع متكسر كإن حد قاعد فوقه.
سقف الأوضة كان قريب قوي
أقرب من الطبيعي.
مد إيده للبطانية شدها عليه وهمس
برد مش طبيعي
بس البرد ما كانش المشكلة.
المشكلة إن القرية كانت ساكتة.
لا كلب بينبح
ولا باب بيخبط
ولا حتى صوت الريح.
سكون
سكون يخوف.
قام حسن من على السرير رجله أول ما لمست الأرض لسعتها ساقعة كإنه دايس على تلج مقطوع من قلب قبر.
قرب من الشباك ومسح البخار اللي عليه بإيده.
المنظر اللي شافه خلى قلبه يقع.
القرية كلها كانت متغطية بطبقة تلج سودا.
مش أبيض.
سودا.
سواد مائل للزرقة كإن الليل وقع ومات فوق البيوت.
قال بصوت واطي
إيه القرف ده
سمع صوت حركة وراه.
التفت بسرعة.
أمه كانت واقفة عند باب الأوضة لابسة
ما تفتحش الشباك يا حسن.
ليه
عشان اللي برا مش طبيعي.
قبل ما يلحق يسأل
صرخة شقت الهدوء.
صرخة ست.
صرخة قصيرة
واتقطعت فجأة.
حسن جري ناحية الباب
دي صوت أم جابر!
أمه مسكته من دراعه بعنف
قلتلك ما تطلعش!
في إيه يا أمي!
الشتا دخل
قالتها وكإنها بتنطق حكم إعدام.
الشارع كان فاضي.
البيوت مقفولة.
والتلج الأسود مغطي كل حاجة.
حسن وقف قدام بيت أم جابر الباب مفتوح نص فتحة.
من جوه كان طالع برد غريب برد يخليك تحس إن المكان ميت.
دخل.
الريحة ضربته في وشه.
ريحة تراب مبلول وحديد.
أم جابر كانت قاعدة على الأرض
ضهرها للباب
وشعرها الأبيض مفرود.
نادا
يا خالتي
ما ردتش.
قرب
وشاف اللي خلى معدته تتقلب.
صدرها كان مفتوح.
مش متشقق
مفرود كإن حد فتحه بإيديه.
قلبها
مش موجود.
وفي الحيط وراها
مكتوب بالدم
لسه جعان.
حسن رجع لورا وهو بيشهق.
سمع صوت تكسير خفيف
كإن تلج بيتكسر تحت رجلين.
لف راسه ناحية الباب.
مافيش حد.
بس آثار أقدام
كبيرة.
غويطة.
وبتسيب وراها سواد.
سواد بيمشي.
ومن بعيد
اتسمع همسة جماعية كإن القرية كلها بتتكلم بصوت واحد
الدور جاي
الفصل الثاني
اللي يعرف بيخاف أكتر
حسن ما افتكرش إزاي خرج من بيت أم جابر.
كل اللي فاكره إن رجليه كانت بتتحرك لوحدها
كإن الأرض هي اللي بتزقه بعيد.
الهواء كان أتقل
والبرد بقى يعض مش يلسع.
البيوت مقفولة كإن القرية كلها قررت تختفي.
ولا نفس
ولا حركة
ولا
وصل بيته وهو بيخبط على الباب
افتحي يا أمي! افتحي!
الباب اتفتح بسرعة
أمه شدته لجوه وقفلت وراه بالمزلاج
وحطت ظهرها على الخشب كإنها شايلة القرية كلها فوق صدرها.
شوفت صح
قالتها من غير ما تبص له.
حسن صوته كان مكسور
أم جابر ميتة.
أمه قعدت على الأرض.
مش عياط
مش صريخ.
استسلام.
كنت عارفة
عارفة إيه!
إنه رجع.
الكلمة نزلت تقيلة.
حسن قرب منها
مين!
رفعت عينها ليه
عينين واحدة شافت حاجة عمرها ما نسيتها.
اللي بياكل القلوب.
حكاية ما تتحكيش غير في البرد
قبل شروق الشمس بشوية
كان في خبط خفيف على الباب.
مش خبط بني آدم.
خبط خشب على خشب.
أمه شهقت
ده هو.
حسن مسك عصاية كانت مركونة
هو مين!
صوت جه من ورا الباب
صوت عجوز
مبحوح
بس حي.
افتحوا قبل ما يسمعنا.
أمه فتحت بالمفتاح وهي بتترعش.
اللي دخل كان راجل طويل
ضهره محني
وشه مليان تجاعيد كإن الزمن عضه.
عينيه سودا سودا زيادة عن اللزوم.
الشيخ عمران
حسن قالها بعدم تصديق.
الراجل هز راسه
آخر اللي فاكر.
قعد من غير ما يستأذن
وقرب من النار الصغيرة.
حد مات
سأل بهدوء يخوف.
حسن بص لأمه
وأمه قالت
أم جابر.
الشيخ عمران غمض عينه.
أولهم.
حسن انفجر
أولهم إيه! إنت فاهم إيه اللي بيحصل برا!
الشيخ فتح عينه ببطء
فاهم أكتر مما تحب.
وسكت شوية
وبعدين قال
من خمسين سنة الشتا دخل القرية دي الأسطورة
زمان
كان في مجاعة
والبرد كان قاتل.
أهل القرية عملوا اتفاق.
مش
جابوا دم
وجابوا قلوب
وقدموا قربان.
واللي استجاب
ما كانش رحيم.
كان بيحميهم من البرد
قال الشيخ
بس بياكل منهم.
حسن حس معدته تقلب
يعني إيه
كل شتا شديد لازم قلب.
أمه همست
عشان كده اختفى ناس زمان.
الشيخ عمران بص لحسن
الفرق إنهم زمان كانوا بيختاروا.
سكت
وبعدين قال الجملة اللي كسرت أي أمل
المرة دي هو اللي هيختار.
أول محاولة هروب
مع الضهر
الشمس حاولت تطلع.
حاولت بس.
نورها كان باهت
والتلج الأسود ما دوبش.
ناس قليلة خرجت من بيوتها
عيونهم زجاج.
حد صرخ
لازم نهرب!
عربية نقل قديمة كانت واقفة على طرف القرية.
خمسة ستة ركبوها.
حسن كان واقف بعيد.
حاسس إن الهروب غلط
بس مافيش اختيار.
العربية دارت.
وفي اللحظة اللي اتحركت فيها
الأرض اتشقت.
مش تشقق
اتفتح فم.
سواد طلع من تحت العربية
سواد ليه شكل.
إيد طويلة
مسكت العربية من تحت.
صرخات.
حديد بيتعصر.
والعربية اتسحبت تحت التلج
كإنها ما كانتش.
السكون رجع.
الشيخ عمران قال بصوت ميت
قلتلكم
اللي يدخل الشتا
وسكت.
حسن كمل مكانه
ما بيطلعش.
قريبة من ودنه
قلبك دافي
.
الفصل الثالث
لما الحاجة تبص لك وتبتسم
حسن ما نامش.
مش عشان البرد
ولا عشان الخوف.
عشان كان حاسس.
حاسس إن في عين مفتوحة في الضلمة
عين ما بتنامش
وعين عارفة اسمه.
كان قاعد جنب الشباك
بيبص على الشارع اللي بقى أبيض مسود
كإن حد رش رماد على القرية.
أمه نايمة
بس نوم متقطع
كل شوية تنتفض وتهمس باسم حد مات
وفجأة
تك.
صوت خفيف على الشباك.
حسن شد نفسه.
مين
الصوت اتكرر.
تك تك.
قرب ببطء
مسح البخار
وبص.
مافيش حد.
بس على الزجاج
كان في بصمة إيد.
كبيرة.
أكبر من إيد بني آدم.
وسودة.
حسن رجع خطوة
قلبه بيدق في ودانه.
والصوت جه من وراه.
مش من الشباك.
من الأوضة.
بردان
الصوت كان