ما وراء الباب ..بقلم حسن الشرقاوي
لم يأت الفجر في القرية دفعة واحدة.
في أطراف دلتا النيل الفجر لا يطلع بل يتسلل خجولا مترددا كأنه لا يريد أن يرى ما فعلته الليلة الماضية.
الضباب كان مفروشا فوق الأراضي الزراعية كثيفا لدرجة إن الساقية القريبة اختفت تماما ولم يبق منها سوى صوت مبحوح يدور بلا توقف يئن مع كل لفة كأنها تشتكي من عمر طال أكثر مما ينبغي. المطر كان قد توقف منذ ساعات لكن الأرض ما زالت موحلة والبرد ذلك البرد المصري النادر القاسي كان يتشبث بالعظام بعناد.
داخل البيت الطيني القديم القائم وحيدا عند حافة الغيط استيقظت الحاجة زينب عبد الدايم قبل الجميع.
لم يكن هناك صوت أيقظها بل غيابه.
لا نباح كلاب لا صياح ديك لا حتى حركة الفئران المعتادة في السقف الخشبي. الصمت كان سميكا ثقيلا من النوع الذي يخليك تحس إن البيت نفسه حابس أنفاسه.
جلست الحاجة زينب على طرف السرير شدت الشال الصوفي على كتفيها ونظرت حولها بعينين تعبتا من السنين لكن ما زالتا تلتقطان الخطر بسرعة غريبة. ضوء الفجر الباهت كان يتسلل من شقوق الشبابيك كاشفا الأجساد الممدودة على الأرض.
رجال.
رجال كثر.
بجلاليب غامقة جاكيتات جلدية مبلولة وأحذية موحلة صفوها ليلا عند الباب دون أن يطلب منهم. وجوههم في النوم بدت أقل قسوة أقل صخبا كأن الليل سحب منهم السمعة وترك فقط التعب.
قامت ببطء كأنها
خلفها تحرك جسد.
كان سالم الطويل أول من استيقظ.
جلس فرك عينيه ثم نظر حوله نظرة سريعة حذرة نظرة رجل اعتاد أن يصحو في أماكن لا يعرف إن كانت آمنة أم لا. حين وقعت عيناه عليها هدأت ملامحه قليلا.
صحيناك يا حاجة سأل بصوت مبحوح.
أنا ما بنامش تقيل ردت بهدوء والعمر لما يكبر النوم يبقى ضيف خفيف.
نهض واحد بعد الآخر. معتز بعين شبه مغلقة من أثر جرح قديم. فرج الذي كان يمسك كتفه كلما تحرك. وأخيرا يوسف أصغرهم بالكاد تجاوز الخامسة والعشرين وجهه شاحب ويده ترتعش رغم أن النار اشتعلت من جديد.
لاحظت الحاجة زينب رجله.
كانت ملفوفة بقطعة قماش قديمة مشبعة بدم جاف.
إيه اللي في رجلك يا ابني سألت وهي تصب الشاي.
تبادل الرجال نظرة صامتة.
وقعت قال يوسف بسرعة كأنه يخشى الإجابة في الطريق.
لم تصدقه.
لكنها لم تفضحه.
قدمت لهم الشاي والعيش الناشف وطبق فول كانت قد تركته من الليلة الماضية. أمسكوا بالأكل كأنهم لم يذوقوا طعاما حقيقيا منذ زمن. لم يكن هناك جشع فقط جوع صادق.
سالم كان يراقبها.
إحنا هنمشي مع أول نور قال ما نحبش نسبب لك أذى.
رفعت رأسها ببطء.
الأذى مش دايما بييجي من القعدة قالت ساعات بييجي من المشي.
لم يعلق.
حين فتح أحدهم الباب ليتفقد الجو اندفع هواء بارد رطب ومعه صوت.
صوت محرك.
ثم آخر.
ثم صفارة بعيدة.
تجمد الرجال في أماكنهم.
عرفوا الصوت.
والحاجة زينب عرفته هي الأخرى.
همست كأنها تخاطب البيت نفسه
يا ساتر يا رب
لم يكن الفجر قد اكتمل بعد
لكن القرية بدأت تستيقظ
وما سيحدث خلال الساعات القادمة
لن ينسى
ولن يغفر
وسيغير إلى الأبد الحكايات التي تروى عن أولئك الرجال
وعن بيت فتح بابه في ليلة كان يجب أن يظل مغلقا.
الصفارة كانت أقرب مما ينبغي.
لم تكن صفارة واحدة بل اثنتين متداخلتين ثم صوت محرك سيارة نص نقل يئن وهو يحاول شق طريقه وسط الطين وصوت أقدام تخبط في الأرض المبتلة بعجلة لا تخلو من ارتباك. القرية لم تستيقظ بعد لكن الخطر كان قد استيقظ قبل الجميع.
سالم رفع يده ببطء إشارة صامتة.
توقف الرجال عن الحركة.
حتى أنفاسهم صارت محسوبة.
الحاجة زينب شعرت بشيء يهبط في معدتها ثقل بارد لا علاقة له بالشتاء. نظرت إلى وجوههم واحدا واحدا. لم تر ذعرا بل قرارا.
مين سألت.
رد سالم بعد لحظة صمت
ناس بتدور علينا.
لم تسأل لماذا.
لم تسأل من هم.
في القرى التفاصيل الزايدة لا تحمي أحدا.
اقترب معتز من الشباك الصغير أزاح طرف الستارة بإصبع واحد ونظر. ظل هكذا ثواني طويلة ثم قال بصوت بالكاد يسمع
مخبرين ومعاهم اتنين من الرجالة بتوع البلد.
شهقت
رجالة البلد.
ده أسوأ.
في المدن الشرطة تكفي.
في القرى العيون والهمس والثأر يكملوا الباقي.
مش هنطلع من هنا قال فرج وهو يشد على كتفه المصاب لو خرجنا دلوقتي هنسيب وراينا دم.
يوسف كان شاحبا أكثر من ذي قبل.
نظر للحاجة زينب نظر طفل اتزنق فجأة في جسد رجل.
إحنا ما كناش ناويين نجرك في ده قال والله ما كنا.
ابتسمت الحاجة زينب ابتسامة صغيرة غريبة كأنها خرجت من زمن آخر.
يا ابني أنا من ساعة ما فتحت الباب وأنا جوه الموضوع.
اقتربت من الدولاب الخشبي الكبير في الركن فتحته وأخرجت مفتاحا صدئا مربوطا بخيط. مشت نحو باب صغير خلف المطبخ باب لا يراه أحد إلا لو عرف مكانه.
ده مخزن قديم قالت تحت الأرض كان زمان بيتخزن فيه القمح.
نظروا إليها بدهشة صامتة.
ادخلوا أكملت وخليكم ساكتين مهما سمعتوا.
وإنت سأل سالم.
رفعت رأسها بثبات
أنا صاحبة البيت.
لم يكن هناك وقت للاعتراض. نزل الرجال واحدا تلو الآخر الباب أغلق والسجادة القديمة أعيدت لمكانها. في أقل من دقيقة عاد البيت كما كان امرأة عجوز وموقد وفجر بطيء.
دق الباب.
دقات عنيفة لا تعرف الاستئذان.
افتحي يا حاجة زينب صوت معروف إحنا عارفين إن في ناس عندك.
فتحت الباب.
وقف أمامها حسن أبو دراع رجل ممتلئ شاربه كث عينه لا تعرف الرحمة. خلفه مخبران واثنان من شباب القرية وجوههم
في إيه يا حسن سألت بهدوء.
شفنا ناس غرب نزلوا عندك بالليل قال