ما وراء الباب ..بقلم حسن الشرقاوي

لمحة نيوز

دول مطلوبين.
رفعت حاجبيها
ناس أنا كنت لوحدي.
ضحك ضحكة قصيرة
يا حاجة متخليناش ندور بنفسنا.
دخلوا.
البيت صامت.
نظيف.
دافئ.
الكاتل ما زال على النار.
خمسة أكواب شاي لا ستة.
توقف حسن عند الطاولة.
ده إيه
نظرت الحاجة زينب للكوب ثم إليه.
كنت عاملة شاي زيادة يمكن حد يعدي.
لم يقتنع.
أشار للمخبرين
فتشوا.
قلبوا المكان.
الدولاب.
تحت السرير.
خلف الباب.
كل شيء في مكانه.
لكن حسن لم يتحرك.
ظل واقفا ينظر للأرض.
ثم لاحظها.
قطرة دم.
صغيرة بالكاد ترى عند طرف السجادة.
رفع رأسه ببطء ابتسامة قاسية تتشكل
الدم ده بتاع مين يا حاجة
تنفست بعمق.
ثم قالت
بتاعي.
ساد الصمت.
وقعت وأنا بعمل العشا.
انحنى لمس القطرة بإصبعه نظر لها
لسه طري.
في تلك اللحظة
تحرك شيء تحت الأرض.
خشخشة خفيفة
غير مسموعة إلا لمن ينتظرها.
الحاجة زينب رفعت صوتها فجأة
هو إنتوا هتفضلوا واقفين كده اقعدوا الدنيا برد!
تقدم حسن خطوة.
ثم
انفتح باب المخزن من تحت السجادة دفعة واحدة.
خرج سالم أولا.
ثم فرج.
ثم معتز.
الصوت كان سريعا.
مكتوما.
نهائيا.
صرخة واحدة فقط ثم لا شيء.
حين خرج يوسف
آخرهم كان حسن أبو دراع ممددا على الأرض عينيه مفتوحتين لا تصدقان ما حدث.
الدم انتشر
لكن البيت لم يصرخ.
وقف الرجال يلهثون.
نظروا للحاجة زينب.
كانت واقفة تمسك الشال على كتفيها وجهها شاحب لكنه ثابت.
خلصوا قالت.
لازم نمشي قال سالم.
هزت رأسها
لأ.
نظروا إليها بدهشة.
لو مشيتوا دلوقتي أكملت هتكونوا قتلة هاربين إنما لو حصل اللي لازم يحصل الحكاية هتتحكي غير كده.
تقصدي إيه
نظرت نحو الباب
ثم إلى الدم
ثم إليهم.
وفي الخارج
بدأ الناس يتجمعون.
الهمس يكبر.
والفجر اكتمل.
الناس اتلمت قدام البيت أسرع مما ينبغي كأن الفجر نفسه هو اللي ندههم. رجالة بجلابيب فوق البيجامات ستات لافة شيلانها على عجل عيون مليانة فضول أكتر من خوف وكلهم واقفين على مسافة محسوبة لا يقربوا ولا يمشوا.
الباب كان مفتوحا.
والدم كان ظاهر.
لكن الحاجة زينب كانت واقفة في النص.
واقفة كأنها وتد الشال متلف حوالين راسها بإحكام إيديها مش بترتعش وعينيها بتعدي على الوجوه واحد واحد كأنها بتحفظهم أو بتفكرهم بحاجة نسيوها.
يا ساتر يا رب همست واحدة من النسوان.
دخل أول واحد.
ثم تاني.

ثم بقى البيت مليان أنفاس ووشوش.
كان حسن أبو دراع ممددا على الأرض عينه مفتوحة فمه مفتوح نص فتحة والدم عامل دايرة تحته. المخبرين الاتنين كانوا جنبه نفس النهاية نفس السكون.
سالم ورفاقه كانوا اختفوا.
كأن الأرض بلعتهم.
رفع واحد من رجالة البلد صوته
مين عمل كده يا حاجة!
ما ردتش على طول.
مشيت ببطء جابت كرسي قعدت وأسندت إيديها على ركبتها.
حسن قالت دخل بيتي من غير إذن وهددني.
سكتت لحظة.
والسكات كان تقيل.
حاول يفتش حاول يلمس حاول يخوف كملت وأنا ست عجوز لوحدي.
الهمهمة عليت.
صرخت قالت بس مفيش حد سمعني.
رفعت واحدة صوتها
والله إحنا ما سمعناش حاجة.
بصت لها الحاجة زينب نظرة سريعة
عارفة.
واحد تاني قال
بس دول مخبرين!
لفت راسها ناحيته ببطء شديد
مخبرين ولا بلطجية باسم الحكومة
الصوت وطي.
رجالة كتير في القرى عندهم حسابات قديمة مع حسن أبو دراع.
إتاوات.
تهديد.
تشويه سمعة.
حبس ظلم.
قالت الحاجة زينب بهدوء قاتل
لما حاولوا يعتدوا علي دافعت عن نفسي.
سكتت
ثم أضافت
واللي يشهد غير كده يشهد.
محدش اتكلم.
ولا واحد.
واحد من شباب القرية بلع ريقه وقال
إحنا
إحنا لقيناهم كده.
واحد تاني هز راسه
أيوه لما دخلنا كانوا مقتولين.
الشهادة اتكتبت في العيون قبل اللسان.
بعد ساعات
الشرطة جات.
الأسئلة اتسألت.
والحكاية خرجت مظبوطة نضيفة متقفلة.
ثلاثة مخبرين دخلوا بيت ست عجوز حاولوا يبتزوها قتلتهم دفاعا عن النفس.
القضية اتقفلت.
البيت اتقفل يومين.
والقرية رجعت لطبيعتها.
لكن في ليلة هادية بعد ما الدنيا نسيت
رجعوا.
سالم وفرقته.
دخلوا من المخزن.
وشهم متغير.
خلصتيها قال سالم.
ما كانش ينفع غير كده ردت الحاجة زينب.
سكت شوية
ثم قال
إنت مش ست عادية.
ابتسمت.
قامت فتحت صندوق خشب قديم طلعت صورة صفرى.
صورة شاب في العشرينات لابس جلابية واقف جنب راجل مكبل.
ده ابني قالت اتاخد ظلم ومات في الحجز.
رفع سالم عينه لها.
واللي في الصورة سأل.
حسن أبو دراع وهو لسه غفير صغير.
سكتت وبصت للنار
من ساعتها وأنا فاتحة الباب بس مش لأي حد.
الرجالة ما اتكلموش.
قاموا يمشوا.
قبل ما يخرجوا قالت
اللي عملتوه النهارده كان آخر دم في البيت ده.
سالم وقف عند الباب
واللي جاي
ابتسمت ابتسامة صغيرة
اللي جاي حكايات.
قفلوا الباب وراحوا.

وفي القرية
اتحكت الحكاية سنين طويلة
كل مرة بشكل مختلف
بس دايما بنفس الخلاصة
في بيت عند طرف الغيط
بابه بيتفتح للغريب
بس مش كل اللي يدخل
بيطلع.
النهاية

تم نسخ الرابط