الأخ الأكبر..بقلم حسن الشرقاوي
كان بيت العائلة القديم في قرية الدهاشنة واقفًا عند آخر الطريق الترابي، بيتًا شهد أفراحًا وبكاءً وأيامًا كانت فيها الكلمة أغلى من الفلوس، وسنواتٍ تفرّق فيها الإخوة، كلٌ شدّه طريقه بعيدًا عن التراب الذي خرجوا منه يومًا واحدًا.
في ذلك اليوم، قرّرت الأم الحاجة أم حسن أن تجمع أولادها بعد غيابٍ طال، ليس لسببٍ واضح، ولا لمناسبةٍ محددة، فقط لأن قلبها شعر أن الوقت يمضي أسرع مما ينبغي، وأن البيوت لا تعيش طويلًا إن خلت من أصوات أهلها.
وصل أولًا محمود، الابن الأصغر، المهندس الناجح في شركة مقاولات كبيرة بالقاهرة، نزل من سيارته الحديثة وهو يتفحّص الطريق بعينٍ ناقدة،
بعده وصلت دكتورة نجلاء، الأخت الوسطى، طبيبة مشهورة في مستشفى خاص، ترتدي نظارة شمسية كبيرة رغم غياب الشمس، نزلت وهي تنفض طرف فستانها من الغبار، وقالت وهي تتأفف:
— الطريق ده لسه زي ما هو… ولا كأن الزمن بيعدي هنا.
وأخيرًا حضر سامح، الأخ الثالث، محاسب في شركة استثمار، دخل وهو يعدّل ساعته الغالية، وجلس يتحدّث عن البنوك والأسهم وكأن العالم كلّه أرقام تتحرّك في شاشة.
جلسوا في الصالة، ضحكوا، تبادلوا الحديث عن السفر، والنجاح، والفلوس، وكل
وفي وسط هذا الضجيج المتعالي…
دخل حسن.
الأخ الأكبر.
لم يأتِ بسيارة،
ولا حتى بتوكتوك.
جاء على جرّار زراعي قديم، صوته يسبق وصوله، جسده مغطّى بغبار الأرض، يرتدي قميصًا قطنيًا باهت اللون، وبنطالًا اتّسخ عند الركبتين، وقبعةً من سعف النخيل تحمي رأسه من الشمس، وحذاءً حمل آثار يومٍ كامل من العمل.
توقّف الجرّار أمام البيت، نزل ببطء، مسح جبينه بكُمّه، ودخل.
سكت الكلام.
نظر إليه محمود بضيق وقال:
— يا ساتر يا رب… هو ده وقت الحصاد؟ ده لقاء عائلي مش أرض زراعية، إنت كده هتوسّخ البيت كله!
ابتسم
— سامحني… كنت في الغيط، قلت ألحق أجي بدل ما أتأخر.
قلبت نجلاء عينيها وقالت بسخرية:
— الحمد لله إننا كملنا تعليمنا وطلعنا من الجو ده… تخيّل لو كنّا لسه فلاحين زيك؟ عمرنا ما كنا نشوف اللي إحنا فيه دلوقتي.
ضحك سامح وأضاف:
— بصراحة… الفرق واضح. شهادات، عربيات، مكانة… وأنت لسه زي ما إنت، ريحة الأرض ما سابتكش.
لم يرد حسن.
خلع حذاءه عند الباب، ودخل المطبخ يساعد أمه، يغسل الخضار، يشعل النار، ويحمل الأطباق، وكأن الكلمات الجارحة لم تمرّ على أذنيه، أو كأنه تعلّم منذ زمنٍ بعيد أن الصمت أحيانًا أكرم من الرد.
جلسوا على
وفجأة…
شقّ الهدوء صوتٌ غريب.
صفّارات.