حارس الفراغ..بقلم حسن الشرقاوي
في زمنٍ لم تكن فيه الخرائط ثابتة، وكانت الطرق تتغيّر كلما تغيّرت النوايا، وُجدت مملكة لا يجرؤ أحد على رسم حدودها بدقة، لأنها كانت تكبر حين يطمع الناس، وتصغر حين يخافون، وكان أهلها يقولون إن الأرض نفسها تسمع، وإن من يمشي عليها بنيّةٍ فاسدة تبتلعه الحجارة ببطء دون أن يراه أحد.
كان حاكم تلك المملكة رجلاً لم يُعرف له اسمٌ حقيقي، فالأسماء كانت تسقط عنه كما تسقط الأوراق اليابسة، وكل ما بقي منه هو اللقب: الحارس، لأنه لم يكن ملكًا بالمعنى المعروف، بل حارسًا لشيء لا يفهمه، شيء وُضع في قلب المملكة قبل مولده بقرون، وأُجبر على حمايته دون أن يُسأل.
عاش الحارس عمره كله يؤدي الطقوس اليومية، يفتح
وفي إحدى الليالي، بينما كان القمر منخفضًا على غير عادته، سمع الحارس دقًّا تحت القصر، ليس على الأبواب، بل في الأرض نفسها، دقًّا منتظمًا يشبه نبضًا بطيئًا، ومع كل دقّة، كانت الجدران ترتجف، لا خوفًا، بل تذكيرًا.
نزل وحده إلى الأسفل، إلى المكان الذي لم يدخله أحد منذ أجيال، قاعة دائرية بلا زينة، في وسطها حجر أملس، لا نقش فيه ولا علامة، لكنه كان دافئًا،
تراجع الحارس وهو يهمس:
"إلى متى؟"
لم يأتِه رد… لكن الدقّ ازداد.
بعد أيام، بدأت المملكة تتغيّر، ليس فجأة، بل بتدرّج مرعب، الأطفال يولدون بلا صراخ، العجائز ينسون أسماء أبنائهم، والآبار تعطي ماءً بلا طعم، كأن الحياة فقدت رغبتها في الإقناع، حتى سقطت امرأة في السوق، لا ميتة ولا فاقدة للوعي، فقط متيبسة، وعيناها مفتوحتان على اتساعهما، وكأنها رأت الحقيقة كاملة في لحظة واحدة.
قال الحكماء:
"الشيء الذي نحرسه… بدأ يطلب
وفي أطراف المملكة، كانت تعيش امرأة أخرى، لا يعرفها القصر ولا تهتم به، كانت تسكن قرب المقابر القديمة، تجمع الأشياء التي يتركها الناس خلفهم: خواتم، قطع قماش، أسماء منسية، وتقول دائمًا:
"ما يُترَك لا يموت… بل ينتظر."
وفي تلك الليلة، رأت المرأة حلماً لم يكن حلماً، رأت المملكة من الأعلى، كأنها جسدٌ عملاق، وفي صدره ثقب يتسع ببطء، وكلما اتسع، سقط فيه شخص، لا صراخ، لا دم، فقط اختفاء، وحين استيقظت، وجدت أثر ترابٍ على يديها، تراب القاعة الدائرية نفسها.
مشت إلى القصر دون دعوة، ودخلت دون أن يوقفها أحد، لأن الحراس لم يعودوا متأكدين مما يحرسون، وحين وقفت أمام الحارس، قالت:
"أنتم لم تحموا