وصلت بيتها اللي ع البحر عشان ترتاح من حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

وصلت بيتها اللي ع البحر عشان ترتاح، فلقيت مرات ابنها في وشها بابتسامة صفرا وبتقول لها مفيش مكان لضيوف زيادة، مكنتش تتخيل أبداً إن الإهانة دي هي أول خيط في خيانة أكبر وأسود بكتير.
مبقاش ليكي مكان هنا يا راجية، البيت مليان ومش عاوزين دوشة.
ده كان أول كلام سمعته من تهاني مرات ابني أول ما شافتني واقفة على باب بيتي اللي ع البحر.
كنت واصلة يوم جمعة في عز يناير لراس البر، ومعيشيش غير فكرة واحدة إني أرتاح. كان عندي 70 سنة، أرملة، عايشة في القاهرة، وشايلة فوق كتافي حمل الشغل والسكوت والذكريات، ونوع من التعب مبيتعالجش بليلة نوم. البيت ده مكنش رفاهية حد ادهالي، ده كان شقا 20 سنة خياطة فساتين أفراح غلابة، وتظبيط يونيفورم مدارس، وتصليح سوسات مقطوعة، وتقصير بناطيل لناس مكنتش بتفوت مليم فصال.
لما جوزي حسن مات، كان عندي 50 سنة، ومن يومها وكل قرش زيادة كان بيروح لحساب سميته نسمة الهوا بتاعتي. وبعد سنين، اشتريت بيه بيت صغير على الساحل، كان شبه مهدود، حيطانه رطبة وجنينته ميتة. وضبته بنفسي حتة حتة، دهنت الحيطان، وغيرت الكوالين، وزرعت ورد، واتعلمت أصلح حاجات مكنتش أتخيل إني ألمسها. البيت ده كان ملكي، ملجأي، وفخري، والدليل إني لسه قادرة أبني حاجة لنفسي.
عشان كدة لما دخلت الشارع وشوفت تلات عربيات ضخمة غريبة، ومزيكا عالية، وفوط مبلولة مرمية على الكراسي، حسيت بذهول... وبعدين بوجع وغضب مكتوم.
الباب كان مفتوح، وعيال عمالة تجري في التراس، وبيشوطوا الكورة في زرعي. وجوه، التلفزيون صوته عالي، المطبخ مليان دوشة وريحة أكل.. فوضى في كل مكان.
وفجأة ظهرت تهاني وهي لابسة المريلة بتاعتي، اللي كنت مطرزاها

بإيدي وعليها أول حروف اسمي.
يا حماتي! قالتها بالابتسامة اللي بداري وراها سم، افتكرتك مش جاية غير في فبراير، بيتر قالي إننا ممكن نستخدم البيت الأسبوع ده، فجبت أهلي معايا، أهو نغير جو زي ما أنتي شايفة.
شوفت وراها أختها ممددة على كنبتي، وأمها عمالة تفتح في دواليبي كأنها بتدور على حاجة تخصها، وعيال مراهقين طالعين نازلين على السلم حافيين، وحتى الكنبة اللي جنب الشباك اللي بقعد أقرأ عليها، كان فيه عيل نايم عليها.
رديت وأنا بحاول أمسك أعصابي أنا قايلة لبيتر إني جاية النهاردة.
تهاني هزت كتافها ببرود تلاقيه نسي، أصل الشغل واكله، بس إحنا خلاص استقرنا.. وبصراحة مفيش مكان لضيوف زيادة.
ضيوف زيادة؟ في بيتي؟
الكل سكت وبص لي، كأنهم مستنيين أصوت أو أعيط أو أعمل مشكلة، بس أنا مديتهمش الفرصة دي.
بصيت لمفاتيح بيتي في إيدي، وبصيت لزرعي اللي دبل، وبصيت لتهاني الواثقة في نفسها بزيادة وكأنها كسبت الحرب.
قلت بابتسامة هادية تمام، هشوف مكان تاني أقعد فيه.
عينيها لمعت، ارتاحت وحست إنها انتصرت.
روحت لوكاندة صغيرة قريبة، أوضة بتطل على البحر بالعافية وبشوف منها طرف سقف بيتي. الليلة دي منمتش، مش عشان حزينة، لأ، عشان فوقت.
فهمت إن الموضوع مش مجرد قلة ذوق، ده احتلال.. إهانة.. رسالة مقصودة.
وتاني يوم الصبح، لما رجعت ودخلت بمفتاحي، اكتشفت إن اللي عملته تهاني كان أبشع بكتير من اللي كنت أتخيله.
فتحت الباب بالراحة ودخلت، مكنش فيه حد صاحي لسه غير تهاني، كانت قاعدة في الصالة وماسكة ورقة وقلم ومنهمكة جداً، ومخدتش بالها إني دخلت. وقفت وراها وسألتها بهدوء بتعملي إيه يا تهاني؟
اتنفضت من مكانها والورقة وقعت من إيدها،
وشها جاب ألوان ح.. حماتي؟ أنتي إيه اللي جابك بدري كدة؟
وطيت أخدت الورقة، وعيني مكنتش مصدقة اللي مكتوب. كانت كاشفة حساب وتثمين للبيت، ومعاها عقد بيع ابتدائي عليه إمضاء.. إمضاء ابني بيتر كطرف أول بائع!
إيه ده يا تهاني؟ ابني بيبيع بيتي؟
ضحكت ببرود مرعب وقالت بصراحة يا حماتي، بيتر عليه ديون كتير والمصنع هيقفل، والبيت ده مركون طول السنة ومحدش بيستفيد منه، فقولنا نبيعه ونسدد الديون، والقرشين اللي يفيضوا نشتريلك بيهم شقة صغيرة جنبنا في القاهرة بدل الوحدة دي.
دمي غلي في عروقي، بس سألتها وبيتر يمضي بصفته إيه والبيت ملكي؟
طلعت ورقة تانية من الشنطة وقالت بلؤم فاكرة التوكيل العام اللي عملتيه لبيتر من سنتين لما تعبتي؟ أهو جه وقته. إحنا خلاص اتفقنا مع المشتري، والناس اللي جوه دول مش أهلي، ده المشتري ومراته وعيالهم، جم يعاينوا البيت ويشوفوا هيغيروا فيه إيه قبل ما يستلموا الأسبوع الجاي.
يعني العيال اللي بتبوظ زرعي، والست اللي بتفتش في دواليبي، مكنوش ضيوف.. دول كانوا بيجردوا ممتلكاتهم الجديدة وأنا لسه عايشة!
بصيت لها وقلت بلهجة محصلتش في حياتي والله؟ طيب اطلعي صحي المشتري ده وقوليله يطلع بره حالاً هو وعياله.
تهاني اتريقت بقولك العقد اتكتب والتوكيل شغال، أنتي ملكيش كلمة هنا خلاص.
طلعت موبايلي وطلبت رقم المحامي بتاعي، المحامي اللي كان جار عمري وعارف قصة البيت حتة حتة. قلتله كلمتين وبس يا متر، التوكيل اللي ابني معاه اتلغى من شهر، صح؟ تمام.. ابعتلي صورة الغاء التوكيل والبيان الرسمي على الواتساب حالاً.
تهاني وشها بقى أبيض زي الورقة. أنا كنت لغيت التوكيل من شهر لما حسيت إن بيتر اتغير وبقى بيسأل
كتير عن فلوس البيت، بس مقلتش لحد عشان مكسرش فرحتي بيه.
بصيت لتهاني وقلت لها البيت ده باسم راجية، وتوكيل ابنك بله واشرب ميته من شهر. قدامكم ساعة بالظبط، تلمي أهلك والمشترين اللي جايباهم، وتغوروا من هنا. ولو شفت وشك في قطعة الهواء بتاعتي تاني، هحبسك أنتي وابنك بتهمة التزوير والنصب.
في اللحظة دي، الكل صحي على صوتي. المشتري طلع وهو مخضوض، وتهاني كانت بتلم حاجتها وهي بتعيط من الغل. وقبل ما تخرج من الباب، قلعت المريلة بتاعتي ورمتها في وشها وقلت لها المريلة دي متتلبسش غير من ستات بيوت أصل، مش من واحدة جاية تسرق بيت حماتها.
قفلت الباب وراهم، وقعدت على كنبتي قدام البحر. لأول مرة من سنين، حسيت إن الهوا فعلًا نقي، والذكريات مش تقيلة.. البيت رجع لي، وأنا رجعت لنفسي.
عدى كام ساعة والبيت رجع هادي تاني، بس الهدوء ده كان وراه عاصفة. تليفوني مكنش بيبطل رن.. بيتر ابني.
فتحت عليه، وصوته كان مليان عياط وتمثيل يا أمي، إزاي تعملي كدة؟ إزاي تطردي مراتي والناس وتصغريني؟ أنا كنت هقولك، أنا كنت مزنوق والبيت ده كان هينقذني من الحبس!
رديت عليه بقلب جامد لأول مرة اللي بيخاف من الحبس يا بيتر مبيسرقش أمه. أنت مبعتش حيطان، أنت بعت شقايا، بعت ال 20 سنة اللي كنت بخيط فيهم فساتين لغيري وأنا مش لاقية أجيب فستان لنفسي عشان أأمن لك مستقبلك.
قفل السكة في وشي لما عرف إن مفيش فايدة. قعدت في البلكونة وبصيت للبحر، وفجأة سمعت خبط على الباب. قلبي قبضني، افتكرتها تهاني رجعت تاني، بس لما فتحت لقيت راجل غريب، شعره شايب ووشه فيه طيبة، ومعاه بوكس كرتون كبير.
أيوة، مين حضرتك؟
قال لي بأدب أنا المشتري اللي كان هنا الصبح،
اسمي الحاج محمود. أنا بجد بعتذر
 

تم نسخ الرابط