وصلت بيتها اللي ع البحر عشان ترتاح من حكايات صافي هاني

لمحة نيوز


لك يا ست الكل، والله ما كنت أعرف إن بيتر بيبيع من وراكي، تهاني قالت لي إنك موافقة بس تعبانة ومش قادرة تمضي. أنا انسحبت من البيعة وقطعت العقد قدامهم.
بصيت له بشك، فكمل كلامه وأنا ماشي لقيت الشنطة دي في عربية تهاني، كانت واخدة حاجات من البيت وهي ماشية، ولما عرفت إنها مش حاجتها أخدتها منها بالعافية وجبتها لك.
فتحت الكرتونة، لقيت فيها ألبوم صور جوازي من حسن، والمريلة المطرزة اللي كانت لسه واخدة ريحة الغدر، وعلبة دهبي صغيرة فيها دبلة حسن اللي مكنتش بتفارق دويلابي.
دموعي نزلت غصب عني. الحاج محمود ساب الكرتونة وقال لي البيت ده فيه روح يا ست راجية، ميتفرطش فيه بكنوز الدنيا. لو احتاجتي أي حاجة، أنا ساكن في البيت اللي وراكي.
دخلت البيت، وحسيت إن الحيطان بتطبطب عليا. شيلت المريلة، ولبست دبلة حسن في سلسلة في رقبتي، وقررت إن دي هتكون بداية جديدة.
بيتر وتهاني خسروا قطعة الهوا، بس أنا كسبت كرامتي.. وكسبت راحة البال اللي كنت بدور عليها من زمان. قفلت الشبابيك، وشغلت الراديو على إذاعة القرآن الكريم، وعملت كوباية شاي بمرامية، وقعدت أتفرج على الغروب، وأنا عارفة إن اللي يبيع أصله، ملوش مكان في جنة غيره.
مر كام يوم، والبيت رجع له نبضه الهادي من تاني. في ليلة من ليالي يناير الباردة، كنت قاعدة في الصالة، والتدفئة شغالة، وكتاب في إيدي، وفجأة سمعت صوت خربشة غريبة عند الباب اللي ورا، ناحية المطبخ.
قمت بالراحة، مسكت إيد مقشة كانت قريبة مني، وقربت من الباب. سألت بصوت ثابت مين

هناك؟
جاني صوت مخنوق من ورا الباب أنا يا ماما.. افتحي يا حبيبتي، أنا لوحدي.
كان بيتر. فتحت الباب، لقيته واقف، هدومه مبهدلة، ووشه شاحب، وتحت عينيه سواد غريب. دخل وهو بيترعش، رمى نفسه على الكرسي وفضل يعيط زي العيال الصغيرة.
أنا ضعت يا ماما.. تهاني سابتني وأخدت العيال وراحت عند أهلها لما عرفت إن مفيش فلوس، والديانة واقفين لي على باب المصنع، والمحامي قالي إن قضية النصب اللي كان المشتري هيرفعها لسه متهدداني.
بصيت له بوجع، بس المرة دي الوجع مكنش ضعف. وجاي لي ليه يا بيتر؟ مش ده البيت اللي كنت عاوز تبيعه للي يسوى واللي ميسواش؟
بص لي بعينين مكسورة وقال مليش غيرك.. أنا عارف إني غلطت، بس أنتي قلبك كبير. ساعديني أبيع البيت ده بسدد ديوني، وأوعدك هعيش تحت رجلك خدام بقيت عمري.
في اللحظة دي، مكنتش شايفة ابني، كنت شايفة غريب بيحاول يسرق آمن مكان ليا في الدنيا للمرة التانية.
وقفت وفتحت باب الشارع وشاورت له لبره البيت ده مات مع حسن يا بيتر.. واللي باقي منه هو راجية وبس. أنا مش هبيع شقا عمري عشان أدفع تمن طمعك وطمع مراتك. اللي يغلط يتحمل نتيجة غلطه.
يا ماما ديوني كتير هتحبس! صرخ وهو مش مصدق.
رديت بمنتهى البرود اللي اتعلمته في ليلتي الصعبة السجن يا بيتر للرجالة اللي بتغلط، وأنت غلطت في حق أمك. السجن يمكن يعلمك إن فيه حاجات في الدنيا مبتتباعش، لا بفلوس ولا بوعود كدابة.
خرج وهو بيجر خيبته وراه، وقفلت الباب وراه بالمفتاح والترباس. المرة دي محستش بوجع قلب، حسيت بانتصار.
رجعت
لكرسيّ، وبصيت لصورة حسن اللي على المكتب، وابتسمت. البيت ده هيفضل قطعة الهوا بتاعتي، ومحدش هيقدر يطفي النور اللي فيه طول ما أنا فيه.
ودلوقتي، وأنا بكتب لك الحكاية دي من شباكي اللي باصص على بحر راس البر، حابة أقولك أوعى تفرط في الحتة اللي بتتنفس منها عشان خاطر حد، حتى لو كان أقرب الناس ليك.. اللي بيحبك بجد، هيحمي سكنك، مش هيحاول يهده فوق دماغك.
مر شهر على الليلة اللي قفلت فيها الباب في وش بيتر. الدنيا هديت، بس البيت مبقاش مجرد سكن، بقى حصني اللي بدافع عنه. وفي يوم صبحه مشمس، لقيت خبط هادي على الباب. قلبي دق، بس لما بصيت من العين السحرية، لقيت الحاج محمود جارنا ومعاه ست لابسة لبس بسيط ووشها بشوش.
صباح الخير يا ست راجية، معلش بنزعجك، بس دي الأسطى نعمة، شاطرة جداً في المرمات، قولت أجيبها تبص لك على الحيطة اللي فيها رطوبة في المطبخ قبل ما الشتا يشد أكتر.
ابتسمت، وفتحت لهم. الحاج محمود ده طلع أصيل، مسبنيش من يومها وكل شوية يطمن عليا من بعيد لبعيد. دخلت نعمة وبدأت تشتغل، وقعدت أنا والحاج محمود في البلكونة نشرب قهوة.
تعرفي يا ست راجية، قال لي وهو بيبص للبحر، بيتر ابني جه قابلني من أسبوع.. كان بيطلب مني قرض عشان يسدد ديونه.
مسكت فنجان القهوة جامد وقلتله إيه؟
قلتله إن اللي يمد إيده على حق أمه، إيدي متتمدلوش بقرش. بس عرفت منه حاجة خلتني أشيل همك.. تهاني مراته مكنتش بتخطط تبيع البيت وبس، دي كانت متفقة مع المشتري القديم إنه يكتب لها شقة باسمها هي بس في القاهرة
من ورا بيتر، مقابل إنها تقنعه يخلص البيعة بسعر قليل.
ضحكت بوجع يعني كانت بتسرقني وبتسرقه في نفس الوقت!
الحاج محمود هز راسه دي النفوس المريضة. بس اطمني، بيتر دلوقتي شغال في ورشة ميكانيكا، بيحاول يجمع قرشين يسدد بيهم اللي عليه.. الصدمة اللي أنتي اديتيها له فوقته، وبدأ يفهم إن الدنيا مش سهلة.
في اللحظة دي، نعمة ندهت علينا من المطبخ يا ست راجية! تعالي شوفي لقيت إيه ورا المحارة القديمة!
جرينا على المطبخ، نعمة كانت قشرت طبقة من الحيطة الرطبة، وظهرت فجوة صغيرة مستخبية ورا طوبة مخلوعة. مكنتش فجوة، كانت خزنة حديد قديمة ومصديّة.
افتكرت كلام حسن قبل ما يموت يا راجية، البيت ده فيه خير مستخبي ليوم ضيق، بس متدوريش عليه غير لما تلاقي نفسك لوحدك تماماً.
بإيدين بترعش، طلعت مفتاح صغير كان حسن سايبهولي في علبة دبلته. فتحت الخزنة، ولقيت فيها رزمة ورق قديمة، وعقد ملكية للأرض اللي ورا البيت، وورقة مكتوبة بخط إيده عشان نسمة الهوا بتاعتك متخلصش أبداً يا حبيبتي.
البيت مكنش بس مكاني، ده كان أماني اللي حسن سابهولي، وكأنه كان عارف إن هييجي يوم وأحتاج فيه لكل ذرة قوة. بصيت للحاج محمود وقلتله شوفت يا حاج؟ اللي بيصون أصله، ربنا مبيسيبوش.
من يومها، مكنتش بس راجية الأرملة، بقيت راجية اللي بيتها بقى أتيليه صغير، علمت فيه بنات المنطقة الخياطة والتطريز، وبقى البيت مليان حياة وحكايات، بس المرة دي.. حكايات حب مش خيانة.
دي كانت حكاية راجية.. حكاية الست اللي عرفت إن البيت مش حيطان، البيت
هو الكرامة اللي متبلش أبداً.

 

تم نسخ الرابط