حزن وخيانه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

أمك خلاص اتوفيت، والعيش والملح اللي بينا مش هيرجع بالدموع.. انشفي كدة وقومي حضري العشا، مش عاوز أشوف وشك حزين قدام ضيوفي، بلاش حركات عيال.
ده اللي قاله جوزي محمود.
بعد ساعتين بس من وقوفي في الترب، وأنا شايفة آخر شوية تراب بينزلوا على نعش أمي.. بعد ساعتين وريحة الكافور والوداع لسه لازقة في لبسي، ووجع قلبي لسه مسمع في صدري زي صرخة مكتومة.
وبطريقة ما.. وسط الصدمة والسكوت، ووسط ضحكته الباردة اللي كانت بترن في الصالة وسط الأطباق اللي أمي كانت مهاديهاني يوم فرحي.. وقفت وطبخت.
كنت يدوب لسه داخلة البيت من مدافننا مكملتش ساعتين.
كل اللي كنت محتاجاه إني أقفل باب أوضتي عليا وأغيب عن الدنيا في حزني.. لكن محمود رمى أكياس الخضار واللحمة تحت رجلي كأنه بيدي أوامر لخدامة.
قال لي عشاء الترقية.. زمايلي في الشغل جايين.
قالها ببساطة، كأن دفنة أمي كانت مجرد مشوار عطل جدول مواعيده.. مكنش فارق معاه إن النهاردة خسرت السند الوحيد اللي كان شايل البيت ده في عز أزماته لما هو مكانش قادر يشيلها.
لما كان دخله بيقل، كان معاش أمي هو اللي بيسد العجز.. ولما الفواتير كانت بتكتر، كانت هي اللي بتديني الفلوس في إيدي من تحت لتحت وتداري عليا وتقول لي خليها معاكي يا بنتي للزمن.
دلوقتي التراب لسه طري فوق قبرها، وهو

عاوزني أشوي لحمة وأعمل طاجن جمبري وفتة لناس بتضحك بصوت عالي وعمرهم ما فكروا يقربوا ويشوفوا الوجع اللي جوانا.
بص لصورتها اللي على الحيطة وقال شيلي الصورة دي، بتقفل النفس وبتبوظ القعدة.
رديت عليه بكلمة واحدة الصورة مش هتتحرك من مكانها.
ولأول مرة بص لي باستغراب، كأني قولت حاجة مش متوقعة منه.
ودخلت المطبخ وطبخت.
عند الحوض اللي كانت بتقف تغسل عليه المواعين معايا.. وبأطباقها هي.. وتحت نظرتها اللي في الصورة، كأنها لسه بتراقبني وبتحميني من فوق الحيطة.
على ما محمود لبس القميص المكوي ورسم الابتسامة الصفراء على وشه، كان البيت زي الفل.
الشموع قايدة، والسفرة مترتبة، وكل حاجة مترصوصة عشان نقنع الناس إن مفيش حاجة مكسورة جوانا.. إلا حاجة واحدة بس كانت حقيقية وصادقة في الأوضة دي كلها.
كانت هي.. أمي.
قرب مني عند الباب وهمس في ودني افردي وشك ده، مش عاوز فضايح قدام الناس.
ساعتها عرفت إنه فهم سكوتي غلط.. افتكره موافقة وضعف.
الضيوف وصلوا، داخلين بضحكهم وريحة برفيوم مالية المكان.. مفيش كلمة البقاء لله، مفيش ذوق.
وبعدين دخلت داليا.. واثقة في نفسها بزيادة، وابتسامتها عريضة بزيادة، كأنها صاحبة بيت.
محمود قالي قدمي ل داليا الأكل بنفسك.
وفعلاً، قدمت لها الطبق وأنا ساكتة.. بصت لي وبصت لصورة أمي اللي
ورايا.. وابتسمت بسمة سمّ.
وبعد ثانية واحدة
الطبق وقع اتدشدش على الأرض.
والصوص غرق السجادة.. داليا فضلت باصة لجزمتها كأنها هي الضحية، ومحمود هاجم عليا قبل ما حتى صوت الطبق يسكت.. صوته كان حاد ومتحكم قدام الناس.
نزلت على ركبي.. لأن كان لازم حد يلم الفوضى دي.
البقعة كانت بتفرش في السجادة اللي أمي جابتها لي زمان من تعبها.. واحدة من الكنوز اللي كانت غالية عندها.
الناس فضلت مستنية اعتذار مني.. بس أنا منطقتش.
وقفت بكل هدوء، وقلت الطبق وقع من إيدك يا داليا.
من غير دراما.. الحقيقة وبس.
الكلمة فضلت رنة في الأوضة أكتر من أي حاجة اتقالت طول السهرة.
داليا ضحكت بتمثيل، ومحمود معرفش ينطق.. وفجأة
جرس الباب رن تاني.
المرة دي الرنة كانت تقيلة.. ليها هيبة.
لما الباب اتفتح، هدوء غريب سكن المكان.. عربية سوداء فخمة كانت واقفة بره.
المزيكا وقفت، والضحك اختفى.. دخل الحاج منصور، صاحب الشركة الكبير.
فجأة، كل اللي في الأوضة صغروا.. محمود جري عليه بابتسامة مهزوزة وكلام كتير سريع عشان يداري أي حاجة ممكن تبان.
بس الحاج منصور مكنش مهتم بكلامه.. عينيه كانت بتتحرك ببطء على السفرة، على السجادة، على الطبق المكسور
لحد ما عينيه جت في عينيا.
كنت واقفة جنب المطبخ، ماسكة الصينية، وصورة أمي ورايا مباشرة.
محمود حاول
يتدخل وقال معلش يا فندم، أصلها متأثرة شوية.. يوم طويل وتعب وكدة..
الحاج منصور رفع إيده بحزم أنا مسألتكش إنت.
سكت محمود تماماً.
قرب الحاج منصور مني، مسك الصينية من إيدي قبل ما تقع وحطها هو بنفسه على التربيزة.. وسأل السؤال اللي مفيش راجل فيهم اتجرأ ينطقه
إنتي بتبكي ليه يا بنتي؟
بصيت لمحمود.. كان بيهز راسه ب لأ من تحت لتحت.
زمان كنت هسكت.. كنت هخبي الوجع عشان بريستيج جوزي.
بس أمي كانت لسه هناك.. لسه شايفة.
قلت بصوت مسموع عشان دفنت أمي من ساعتين بس.
السكوت اللي حصل ميتوصفش.. مفيش صرصار نطق.
الكسوف بدأ يظهر على وشوشهم واحد ورا التاني.. ماقلتش كل حاجة، بس قلت كفاية.
كفاية إنهم يعرفوا إن الأكل ده اتطبخ في بيت ريحته لسه حزن.. وإن العزومة دي اتعملت غصب عني.. وإن دموعي اتقابلت ببرود وكأنها تقيلة على الجو العام.
الرجالة بصت في الأرض.. وداليا رجعت لورا خطوة.
محمود فتح بقه يبرر، بس الحاج منصور كان بيبص له بصه تخرس أي حد.
و
ثم التفت الحاج منصور للصورة اللي ورايا.. وفجأة عينيه وسعت بذهول، والصدمة لجمت لسانه.
بص لمحمود بنظرة خلت ركبه تخبط في بعضها، وقال بصوت هز الحيطان
بقى هي دي حماتك يا محمود؟ الست اللي إنت مستخسر فيها يوم حزن، وبتذل بنتها عشان لقمة؟
محمود وشه بقى ألوان وقال بتلعثم يا فندم
أنا.. أنا مكنتش أعرف إن حضرتك..
قاطعه الحاج منصور وهو
 

تم نسخ الرابط