حزن وخيانه حكايات صافي هاني
الجنازة الصبح، كان واقف بعيد بيبكي بحرقة ومحدش عرف هو مين.
قرب مني، وبص لصورة أمي اللي على الحيطة، وبعدين بص لي ودموعه نزلت لأول مرة أخيراً يا بنتي.. حقك وحق مريم أمي هيرجع.. أنا المحامي اللي أمك كلفتني بمراقبة محمود من سنين.. والنهاردة بس، مريم أخدت حقها وهي في دار الحق.
محمود هرب فين بعد ما عرف إن المحامي معاه تسجيلات بتثبت خيانته مع داليا وسرقته للورث؟ وإيه الحقيقة المريرة اللي عرفتها صفاء عن وفاة أمها في المستشفى؟ هل كانت وفاة طبيعية فعلاً؟
المحامي فتح شنطته وطلع منها جهاز تسجيل صغير، وحطه على السفرة وسط السكوت اللي كان يقطع القلب. بص لمحمود وقال له كنت فاكر إن الست الغلبانة اللي كنت بتذلها هي وأمها مش هتعرف تأمن نفسها؟ الست مريم أمك قبل ما تموت بيومين، سجلت المكالمة دي..
ضغط على زرار التشغيل، وطلع صوت محمود وهو بيتكلم مع داليا في التليفون.. صوته كان طالع فيه غل وحقد مكنتش أتخيله
يا بنتي اصبري، الحقنة اللي بتتحط لها في المحلول دي هتخليها تغيب عن الوعي بالتدريج.. الدكتور قايل إن مفعولها مبيبانش في التحليل العادي، كلها كام يوم والبيت والورث يبقوا ملكنا، وصفاء دي هرميها في الشارع بشنطة هدومها.
الدنيا لفت بيا.. السقف كان بيقع فوق راسي. بصيت لمحمود وأنا مش قادرة أصدق.. إنت قتلتها؟ إنت قتلت أمي يا محمود؟
محمود انهار تماماً وبدأ يصرخ والله ما كان قصدي أقتلها! أنا كنت بس عاوزها تغيب عن الوعي عشان أمضيها على التنازل.. داليا هي اللي قالت لي إن الجرعة دي مش بتموت!
في اللحظة دي، الحاج منصور مسك التليفون وطلب الشرطة بجمود، وهو باصص لمحمود بقرف القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد.. دي رقبتك فيها يا محمود.
داليا حاولت تهرب من باب المطبخ، بس المحامي كان أسرع منها وقفل الباب محدش هيخرج من هنا.. البوليس على وصول، والتحقيقات هتثبت إن الحقنة اللي إدتيها للست مريم في المستشفى هي اللي وقفت قلبها.
بصيت
محمود كان بيترمي تحت رجلي وبيترجاني أتنازل، بس أنا زقيت إيده بقوة مكنتش أعرف إنها عندي، وقلت له بكل برود
إنت قولت لي انشفي وامسحي وشك وبلاش حركات عيال.. أديني نشفت يا محمود.. والدموع اللي كنت مستخسرها في أمي، هتدفع تمنها عمرك كله ورا القضبان.
البوليس وصل، والكلبشات اتقفلت في إيد محمود وداليا وهم بيصرخوا ويتبادلوا الاتهامات.. والبيت اللي كان محمود فاكر إنه هيمتلكه، بقى هو السجن اللي اتقبض عليه فيه.
لكن القصة مخلصتش هنا.. المحامي قرب مني وهمس في ودني بكلمة واحدة خلت قلبي يقف من تاني
يا آنسة صفاء.. في حاجة تانية في الصندوق محمود مكنش يعرف عنها حاجة.. أبوكي لسه عايش.. وهو اللي باعتني ليكي.
مين هو أبو صفاء الحقيقي؟ وليه سابها السنين دي كلها؟ وهل هيقدر يعوضها عن الغدر اللي شافته من أقرب الناس ليها؟
وقفت في نص الصالة، والبيت اللي كان من شوية مليان زياط وريحة أكل وضحك كداب، فجأة بقى زي القبر.. مفيش فيه غير صوت أنفاس محمود المكتومة وهو بيبص للمحامي برعب.
المحامي كمل كلامه وهو بيطلع ظرف مقفول بختم قديم أبوكي مسابكيش بمزاجه يا صفاء.. الست مريم اتطلقت منه وهي حامل فيكي بسبب مؤامرة وسخة اتعملت زمان عشان يفرقوا بينهم، وأوهموه إنك موتي وإنتي لسه حتة لحمة حمرا.. لكن قبل ما أمك تموت، بعتتلي وبعتتله الحقيقة كاملة.
محمود صرخ بانهيار وهو بيشد في شعره كدب! كل ده كدب! هي مكنش ليها حد، أنا اللي كنت شايلها! أنا اللي استملت ورثها!
المحامي بص له باحتقار إنت استلمت الفتات اللي هي سابتهولك عشان تطمعك وتكشفك.. لكن الإمبراطورية الحقيقية باسم صفاء.. والراجل اللي باعتني، واقف دلوقتي تحت البيت مستني إشارة واحدة عشان يطلع ويشوف بنته.
الحاج منصور حط إيده على كتفي وقالي اطلعي البلكونة
خرجت البلكونة وأنا مش شايفة من دموعي.. لقيت أسطول عربيات سودة قافل الشارع كله، ورجالة هيبتهم تخوف واقفين حرس.. وفي وسطهم، كان واقف راجل شعره أبيض، لابس بدلة فخمة، وباصص لفوق، ناحية شباكنا.. أول ما شافني، رفع إيده ومسح دموعه اللي نزلت بوجع سنين.
في اللحظة دي، البوليس كان بيسحل محمود وداليا برا البيت.. محمود وهو خارج وشاف المنظر في الشارع، والراجل اللي واقف مستنيني، عرف إنه مكنش بيلعب مع ست غلبانة، ده كان بيحفر قبره بإيده.
الراجل طلع الشقة، ووقف قدام الباب.. السكوت كان سيد الموقف.. قرب مني وبص لملامحي، ولمس وشي بإيد بتترعش وقال بكلمة واحدة هزت كياني يا بنتي.. سامحيني.
ارتميت في حضنه وصرخت بكل الوجع اللي كتمته من يوم ما أمي ماتت.. ومن يوم ما محمود كسرني.. شميت فيه ريحة أمي، وريحة السند اللي كنت بتمناه.
بصيت لصورة أمي على الحيطة للمرة الأخيرة، وحسيت إنها بتبتسم.. وكأنها بتقول لي دلوقتي بس يا صفاء.. أقدر أنام وأنا مطمنة عليكي.
محمود وداليا خدوا حكم مؤبد في قضية القتل والتزوير، والشركة اللي محمود كان بيحلم يترقى فيها، بقت ملكي أنا.. وبقى اسمي صفاء الهواري، الاسم اللي كان
محمود بيحاول يمسحه من الوجود.
لكن الصدمة الحقيقية مكنتش في الفلوس ولا في رجوع أبويا.. الصدمة كانت في الشخص الثالث اللي كان بيساعد محمود من بعيد، واللي اكتشفت إنه واحد من دمنا ولحم أبويا نفسه!
الراجل اللي كان واقف ورا أبويا وبيدعمه، قرب مني وطلع منديل من جيبه ومسح دموعي ببرود غريب، وبص لأبويا وقال له حمد لله على السلامة يا عزت بيه.. أخيراً القافلة اكتملت.
أبويا بص له بغضب مكتوم وقبض على إيده وقال لي ده ياسين.. ابن عمي، والشخص اللي كان محمود مجرد جزمة في إيده بيحركه عشان يخلصوا عليا وعلى ورثي من خلالك.
ياسين ضحك ضحكة عالية هزت البيت محمود كان طماع وغبي، كان فاكر إنه لما يخلص على الست مريم ويذل بنتها
لكن المحامي طلع ورقة تانية من الشنطة، وبص لياسين بنظرة انتصار نسيت حاجة يا ياسين بيه.. الست مريم مكنتش بتسجل لمحمود بس، دي كانت مسجلة كل مقابلة بينك وبين محمود في المستشفى وأنت بتسلمه الحقنة اللي قتلتها!
ياسين وشه اتخطف، والضحكة اختفت إنت بتقول إيه؟ أنا ملمستش حد!
المحامي كمل كاميرات المراقبة السرية اللي الست مريم ركبتها في أوضتها قبل ما تموت، صورتك وإنت داخل لابس لبس دكتور وبتسلم محمود الأمانة.. الفيديو دلوقتي مع البوليس اللي واقف مستنيك تحت.
ياسين حاول يهجم على المحامي، بس حرس أبويا كانوا أسرع منه وكتفوه.. وفي لحظة، البيت اللي كان محمود فاكر إنه هيتملكه، بقى هو الفخ اللي وقع فيه كل اللي خانوا أمي.
أبويا مسك إيدي وخرجنا من الشقة، وبصيت ورايا للمرة الأخيرة.. البيت كان فاضي، وصورة أمي كانت لسه في مكانها، كأنها الحارس اللي طرد كل الشياطين من حياتي.
أبويا قالي وهو بيركبني العربية الفخمة خلاص يا صفاء.. اللي فات مات، والدم اللي جرى بظلم، بكرة الحقيقة تنصفه.. إنتي دلوقتي مش مجرد بنت مكسورة، إنتي بنت العز اللي حقها رجع بالملّي.
محمود وياسين وداليا اتجمعوا في قفص اتهام واحد، والبلد كلها اتكلمت عن انتقام الست مريم اللي دبرت كل حاجة وهي على فراش الموت عشان تحمي بنتها.
أما أنا.. ففتحت صندوق الذكريات في بيتي الجديد، ولقيت في قاعه ورقة صغيرة بخط أمي كانت مدارية بين الصور، مكتوب فيها
يا بنتي.. الحق مبيضعش، والظالم بيقع في شر أعماله ولو بعد حين.. عيشي قوية، وافتكري إن أمك كانت بتحبك لآخر نفس.
ساعتها بس، حسيت إني فعلاً قفلت الصفحة.. ودموعي اللي نشفت، بدأت تبلل الورقة بدموع فرحة وحرية مكنتش أحلم بيها.
تمت الحكاية.
بنات هذه القصص جميعا ماخوذه من قصص اجنبيه اي لا تمس لنا ولا الاسلامنا
حكايات صافي هاني