ربيت أخوات جوزي

لمحة نيوز

أنا رضا ست بسيطة من قرية صغيرة، عمري ما حلمت بحاجة كبيرة، غير إني أعيش في ستر وهدوء. من 25 سنة، حياتي اتقلبت في لحظة يوم ما جوزي حمدي خرج ومارجعش، حادثة خطفته مني وساب لي حمل تقيل فوق كتافي تلاتة عيال صغيرين، إخواته، عيونهم مليانة خوف واحتياج وكلمته الأخيرة بترن في ودني خلي بالك منهم يا رضا دول أمانة في رقبتك.
ومن يومها بقيت أمهم قبل ما أكون نفسي.
بعت دهبي وبعت عفشي واشتغلت في البيوت، غسيل ونضافة، وأوقات كنت بنام من غير أكل عشان هما يشبعوا. كنت بشوفهم بيكبروا قدامي، وكل مرة يتخرجوا أو ينجحوا كنت بحس إن قلبي هو اللي بيكبر مش هما بس. إبراهيم دخل هندسة وبقى مهندس كبير، وسهر دخلت طب وبقت دكتورة، ومصطفى بقى محامي معروف.
كنت فاكرة إن التعب ده كله هيترد حب حضن كلمة إنتي أمنا.
بس اللي حصل كان كسر ما يتصلحش.


أول مرة حسيت إني غريبة كانت يوم ما روحت لسهر المستشفى. كنت تعبانة، جسمي مهدود، ومش معايا تمن الكشف. استنيتها بالساعات ولما شافتني، وشها اتغير، مسكت إيدي وسحبتني بعيد وقالت بصوت كله قسوة
إنتي إيه اللي جابك هنا بالشكل ده؟ هتفضحيني قدام الناس؟ إحنا خلاص عملنا اللي علينا خدي الفلوس دي ومش عايزة أشوفك تاني.
وقتها حسيت إن الأرض بتتهد تحت رجلي.
مش عشان رفضت تساعدني لا عشان لأول مرة فهمت إني عمري ما كنت أمهم.
إبراهيم بقى يقفل في وشي، ومصطفى بقى يتعامل معايا كأني غريبة ومع الوقت، اختفوا من حياتي تمامًا.
رجعت لعشتي لوحدي.
وبقيت بلم كرتون وبلاستيك من الشارع عشان أعيش.
والناس؟
الناس كانت أقسى من الجوع.
ضحك وسخرية وكلام يجرح القلب خصوصًا أم ناهد اللي كانت كل يوم تفتكرني بفشلي
أهي دي اللي ضيعت عمرها على الفاضي!
كنت
بسكت وأقول لنفسي ربنا شايف.
وعدّى يوم والتاني وسنين طويلة لحد ما جه اليوم اللي عمري ما هنساه.
صوت عربيات كتير وفخمة بشكل يخض.
البلد كلها اتلمت الكل فاكر إنهم جايين لواحد من الكبار يمكن إبراهيم يمكن سهر
بس العربيات وقفت قدام عِشتي أنا.
الناس اتجمدت.
وأنا واقفة مش فاهمة.
باب العربية اتفتح ونزل راجل كبير، شيك جدًا، ومعاه ناس لابسين رسمي. بص حواليه وبعدين بص لي أنا وجي ناحيتي.
قلبي كان بيدق بسرعة وأنا مش فاهمة.
وقف قدامي وابتسم وقال
أخيرًا لقيناك يا ست رضا.
اتصدمت لقينا مين؟!
قال بهدوء
أنا ابن أختك اللي سافرت زمان واتقطعت أخبارها إحنا كنا بندوّر عليك سنين. أمّي قبل ما تموت قالت لنا لو في حد يستاهل الخير كله، فهي رضا اللي ضحت بحياتها عشان غيرها.
الدنيا سكتت حواليا.
كمل كلامه
أمّي سابت ثروة كبيرة جدًا ووصت
إن نصها ليكي والنص التاني لينا. وإحنا مش جايين بس نديكي حقك إحنا جايين ناخدك تعيشي معانا، في المكان اللي يليق بيكي.
الناس كلها كانت بتبص مصدومة.
وأنا؟
كنت واقفة مش مصدقة إن بعد كل ده ربنا بيرد لي حقي قدام الكل.
في اللحظة دي ظهروا هما.
إبراهيم وسهر ومصطفى.
وشوشهم شاحبة عيونهم مليانة صدمة.
قربوا مني لأول مرة من سنين.
إبراهيم قال بصوت مهزوز
إحنا آسفين يا رضا
سهر كانت هتعيط
سامحينا
بصيت لهم نفس العيون اللي ربيتهم بس المرة دي، مفيش دفا.
قلت بهدوء
أنا سامحتكم من زمان بس خلاص، كل واحد ياخد طريقه.
لفّيت وركبت العربية.
وسبت ورايا 25 سنة من الوجع والخذلان والصبر.
وفي المراية شفتهم واقفين مش مصدقين إن الست اللي كسفوها بقت أكبر منهم كلهم.
ومن يومها
أنا مش رضا الغسالة
أنا الست اللي ربنا ما ضيعش تعبها ولو بعد حين.

ركبت العربية وأنا حاسة إن قلبي سايب حتة كبيرة
 

تم نسخ الرابط