ربيت أخوات جوزي
ورايا مش عشانهم، لا عشان العمر اللي ضاع. الطريق كان طويل، بس أول مرة أحس إنه خفيف كأني بفك قيود تقيلة كنت شايلها سنين. الراجل اللي قال إنه ابن أختي كان قاعد جنبي، وكل شوية يبص لي بابتسامة فيها تقدير غريب عليّ تقدير أنا عمري ما شوفته من أقرب الناس ليا.
وصلنا قصر كبير حاجة عمري ما تخيلت إني أدخلها حتى كخدامة، مش أعيش فيها. بوابة حديد ضخمة اتفتحت، وجنينة واسعة، وناس مستنياني كأني حد مهم نزلت من العربية وأنا مترددة، حاسة إني مش من المكان ده. لكن أول ما دخلت، ست كبيرة في السن قربت مني بسرعة
قالت لي وهي بتعيط
إنتي رضا صح؟ إحنا سمعنا عنك كتير إنتي عملتي اللي محدش يقدر يعمله.
وقتها أول مرة دموعي تنزل مش من وجع لكن من راحة.
بدأت الأيام تعدي
بس اللي حصل بعد كده هو اللي قلب كل حاجة تاني.
في يوم، الراجل اللي جابني واسمه كريم قعد معايا وقال
إحنا مش بس عايزينك تعيشي مرتاحة إحنا عايزينك تكوني جزء من قرار مهم.
استغربت قرار إيه؟
قال
إحنا ناويين نفتح مؤسسة خيرية كبيرة باسمك. لمساعدة الأيتام والستات اللي ضحّوا واترمي بيهم زي ما حصل معاكي.
قلبي دق بقوة
أنا؟ اسمي يتحط على حاجة كبيرة كده؟
سكت شوية وبعدين قلت
بس أنا مش متعلمة ومعرفش في الحاجات دي.
ابتسم وقال
إنتي عندك أهم حاجة قلب عرف يعني إيه تضحية.
ومن هنا بدأت حياة جديدة.
بقيت أروح بنفسي الأماكن الفقيرة
الناس بدأت تعرفني مش ك رضا الغسالة لكن ك الحاجة رضا الست اللي بتساعد الكل.
لكن الماضي ما بيسكتش.
في يوم، وأنا راجعة من افتتاح فرع جديد للمؤسسة لقيت حد مستنيني قدام القصر.
كان مصطفى.
واقف، هدومه شيك بس عينيه مكسورة.
أول ما شافني، قرب وقال
ممكن أتكلم معاكي؟
بصيت له نفس الطفل اللي كنت بحضنه زمان بس الدنيا علمته بطريقتها.
قعدنا وسكت شوية قبل ما يقول
إحنا غلطنا غلط كبير. وبعد ما مشيتي كل حاجة اتلخبطت. إبراهيم خسر شغله بسبب مشاكل، وسهر اتفضحت في قضية إهمال وأنا أنا بقيت لوحدي.
كنت سامعة بس قلبي المرة دي كان هادي.
قال بصوت مكسور
إحنا محتاجينك مش عشان الفلوس عشان إنتي الأصل.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت
الأصل ما يتباعش يا مصطفى بس كمان ما يتداسش عليه.
سكت ودموعه نزلت.
كملت
أنا مش هأذيكم بس مش هرجع لنفس المكان اللي اتكسرت فيه.
قام وهو فاهم المرة دي فاهم بجد.
مرت شهور
وبقيت حياتي مليانة ناس جديدة دعوات حلوة وراحة غريبة.
وفي يوم افتتاح أكبر مشروع لينا دار أيتام كبيرة، وقفت قدام الناس كلها وقلت
أنا مش قصة نجاح أنا قصة صبر. وكل حد اتظلم حقه جاي، حتى لو بعد سنين.
والتصفيق كان عالي بس اللي كان أعلى إحساسي إني أخيرًا أخدت حقي.
وفي آخر الليل وأنا قاعدة لوحدي افتكرت كل حاجة.
الوجع الجوع السخرية والخذلان.
وبعدين بصيت حواليّ وابتسمت.
لأن الحقيقة البسيطة اللي اتأكدت
إن ربنا ممكن يتأخر بس عمره ما بينسى.