لغز القرية المسكونه...حسن الشرقاوي
كريم عمره ما كان يؤمن بالحاجات اللي ملهاش تفسير.
كان دايمًا يقول:
"كل حاجة ليها سبب… حتى اللي إحنا مش فاهمينه دلوقتي."
بس اللي حصل معاه بعدها خلاه يشك في كل كلمة قالها قبل كده.
الموضوع بدأ بمكالمة.
الساعة كانت داخلة على اتنين الفجر، والتليفون رن فجأة بصوت عالي شق سكون الأوضة. كريم فتح عينه بالعافية، قلبه دق دقة غريبة، مد إيده ناحية الموبايل وهو مش فاهم مين ممكن يكلمه في الوقت ده.
رقم غريب.
رد:
– ألو؟
في الأول مفيش صوت… غير نفس تقيل، كأنه طالع من صدر واحد تعبان.
– ألو؟ مين معايا؟
الصوت جه واطي، مبحوح:
– كريم… إنت كريم؟
كريم قعد في السرير:
– أيوه… مين حضرتك؟
سكتة طويلة، بعدها الصوت قال:
– متروحش القرية.
كريم اتنرفز:
– قرية إيه؟ إنت مين؟
بس الخط اتقفل.
قعد ماسك الموبايل ثواني، حس إن الهوا في الأوضة تقيل، قلبه مش مطمن. حاول يقنع نفسه إن دي مكالمة مقلب سخيف، بس ليه يعرف اسمه؟ وليه يقول "القرية" تحديدًا؟
الحقيقة إن كريم كان ناوي يسافر تاني يوم.
بعد غياب عشر سنين.
قرية "النجع الغربي".
القرية اللي اتولد فيها… واللي سابها وهو عنده 18 سنة بعد حادثة محدش كان بيحب يفتكرها.
الصبح، كريم كان سايق عربيته على الطريق الزراعي، الشمس لسه طالعة، والضباب خفيف مفرود على الأرض زي شال أبيض. كل ما يقرب، إحساس غريب يزيد… كأن الطريق نفسه مش مرحب بيه.
لوحة قديمة
"مرحبًا بكم في النجع الغربي"
اللافتة كانت ميلة، والكتابة باهتة، وكأنها بقالها سنين ما اتلمستش.
كريم بلع ريقه.
– أنا أكيد متأثر بس… مفيش حاجة.
دخل القرية.
أول حاجة لاحظها: الهدوء.
هدوء مش طبيعي… مفيش عيال، مفيش صوت مواشي، حتى الهوا كان ساكت.
البيوت واقفة، بس الشبابيك مقفولة، والستائر مسدلة. حس كأنه داخل مكان مهجور، مش قرية عايش فيها ناس.
ركن العربية قدام بيت عمه "حسن".
نزل، خبط على الباب.
مفيش رد.
خبط تاني.
– يا عم حسن؟ أنا كريم!
الباب اتفتح واحدة واحدة، ووش عمه ظهر… بس كريم اتصدم.
عمه كبر عشرين سنة مش عشر.
وشه شاحب، عينه غويطة، ونظرته مكسورة.
– كريم… إنت رجعت ليه؟
الجملة دي كانت أول حاجة يقولها، ولا حتى "وحشتني".
كريم حاول يضحك:
– وحشتك كده؟ ده استقبال؟
عمه مسكه من دراعه وشده لجوه بسرعة، وقفل الباب وراه بالمفتاح.
– إنت ما سمعتش؟
– سمعت إيه؟
عمه قرب منه، صوته واطي:
– القرية بقت مسكونة.
كريم ضحك ضحكة قصيرة:
– عم حسن… بالله عليك.
– بضحك؟!
عمه زعق فجأة، وبعدين هدي:
– في حاجات بتحصل هنا… ناس بتختفي، أصوات بالليل، وبيت المهجور…
كريم قلبه نزل في رجله:
– بيت إيه؟
عمه سكت.
– بيت أبوك.
الصمت نزل تقيل.
بيت أبوه كان مقفول من يوم ما مات… ومن يوم الحادثة اللي خلت كريم يمشي وما يرجعش.
– البيت ده… حد بيدخله؟
عمه هز راسه:
– محدش
كريم حس بقشعريرة:
– إنت مصدق الكلام ده؟
– أنا شوفته.
الكلمة دي كسرت كل دفاعاته.
بالليل، كريم كان قاعد في الأوضة اللي نام فيها وهو صغير. السقف زي ما هو، نفس الشرخ، نفس اللمبة الصفرا.
بس الإحساس مختلف.
الساعة كانت 12 إلا شوية.
وفجأة…
دق.
صوت خبط خفيف.
كريم قعد.
– عم حسن؟
دق… دق.
الصوت جاي من الشباك.
قرب واحدة واحدة، فتح الستارة.
مفيش حد.
لكن على الأرض… آثار رجلين، طين، واقفة تحت الشباك.
وفجأة سمع همسة:
– كريم… إنت رجعت؟
الصوت كان مألوف… زيادة عن اللزوم.
صوت أبوه.
صرخ:
– مستحييييل!
اللمبة طفت.
والبيت كله دخل في ضلمة كاملة.
وفي اللحظة دي، كريم فهم حاجة واحدة بس:
القرية دي… ما كانتش مستنية رجوعه عبث.
كانت مستنياه هو بالذات.
الفصل التاني: البيت اللي بيتنفس
الضلمة كانت كاملة…
مش ضلمة ليل عادية، دي ضلمة تقيلة كأنها مادة، كأنها بتلزق في الجلد.
كريم كان واقف مكانه، مش عارف يتحرك. صوته خرج بالعافية:
– عم… عم حسن؟
مفيش رد.
الهمسة رجعت تاني، أقرب:
– ما تخافش يا كريم… ده أنا.
نفس الصوت.
نبرة صوته.
حتى الطريقة اللي كان بينطق بيها اسمه.
– إنت مش حقيقي… إنت مت.
قالها وهو مغمض عينه، كأنه لو ما شافش مش هيصدق.
وفجأة النور رجع.
اللمبة الصفرا نورت، بس النور كان ضعيف، بيرعش. كريم فتح عينه، قلبه
مفيش حد.
لكن آثار الرجلين اللي كانت تحت الشباك… اختفت.
قعد على السرير وهو بيحاول يلم نفسه. عقله بيصرخ: هلوسة، ضغط عصبي، رجوع للمكان القديم.
بس قلبه كان عارف إن اللي حصل مش طبيعي.
قام وقف قدام المراية.
وشه شاحب، عينه محمرة.
– أنا لازم أدخل البيت.
قالها لنفسه.
بيت أبوه.
الصبح، الجو كان مكتم، السما لونها رمادي، والقرية لسه هادية بشكل يخوّف.
كريم خرج من بيت عمه، لقى واحدة ست كبيرة قاعدة على الأرض قدام بيتها، بتبص له بنظرة غريبة.
– صباح الخير يا حاجة.
الست ما ردتش.
فضلت تبص له، وبعدين قالت:
– رجعت ليه؟
الجملة دي ضربته.
– كلكم بتسألوا السؤال ده… ليه؟
ابتسمت ابتسامة من غير سنان:
– لأن اللي بيرجع… ما بيمشيش تاني.
كريم حس بقشعريرة في ضهره، وسابها ومشي.
بيت أبوه كان في آخر الشارع، الشارع اللي محدش بيعدي منه.
الأرض مليانة تراب وحشائش ناشفة، والبيوت حواليه مقفولة.
وقف قدامه.
الباب الخشب متشقق، القفل مصدي، والحيطان مسودة، كأن البيت اتحرق من جوه.
مد إيده… وتردد.
افتكر آخر مرة وقف هنا.
ليلة الحادثة.
كان عنده 18 سنة، وأبوه كان واقف في نفس المكان ده، بيزعق.
– إنت السبب يا كريم! لو كنت سمعت الكلام…
– أنا ما عملتش حاجة!
– أمك ماتت بسببك!
الكلمة دي كانت آخر حاجة سمعها من أبوه قبل ما يمشي، قبل ما يسيبه لوحده في البيت ده، وقبل ما
كريم غمض عينه وفتحها.
– اللي حصل حصل.
ودفع الباب.
الباب صرّ صرّة عالية كأن البيت بيصرخ.
ريحة عطن، تراب، وحاجة تانية… ريحة قديمة، مألوفة، خانقة.
البيت من جوه زي ما هو.
الترابيزة، الكراسي، حتى الساعة اللي كانت واقفة على