الغرفه الملعونه..بقلم حسن الشرقاوي
الفصل الأول:
ليلى ما كانتش خايفة وهي بتمضي على قرار النقل، كانت متضايقة بس، زعلانة إن تعب السنين في مستشفيات المدينة انتهى بورقة باردة بتقول إن مكانها الجديد مستشفى حكومي في قرية اسمها ما سمعتش عنه قبل كده، قرية بعيدة لدرجة إن حتى الخريطة على موبايلها كانت بتتهته قبل ما توصلها للمكان.
الطريق كان أطول مما توقعت، العربية بتعدي على طرق ضيقة، مكسّرة، محاطة بأراضي سايبة، شجر واقف من غير روح، وكل شوية الشبكة تقطع، لحد ما حسّت إن العالم اللي كانت تعرفه بيقع وراها حتة حتة، وكل ما تقرب أكتر، الإحساس بالاختناق يزيد، كأن القرية دي مش مجرد مكان، لأ، كأنها فم مفتوح مستنيها تدخل.
أول ما وصلت، لاحظت حاجة خلت قلبها يدق أسرع من غير سبب واضح…
الهدوء.
مش هدوء طبيعي، لأ، هدوء تقيل، مريب، لا فيه صوت عيال، ولا كلاب، ولا حتى صوت راديو من بيت، بس ناس واقفة قدام بيوتها، تبص عليها وهي معدية، وبمجرد ما عينيهم تيجي في عينها، يبصّوا الأرض، أو يدخلوا جوا بيوتهم بسرعة،
المستشفى كان في آخر القرية، بعيد عن البيوت، لوحده، مبنى قديم شكله أقرب لسجن مهجور منه لمكان علاج، الحيطان لونها باهت، وفي شقوق طويلة عاملة زي جروح قديمة، والشبابيك عالية وضيقة، مفيش ولا واحدة مفتوحة، كأن المبنى نفسه رافض يتنفس.
وقفت قدام الباب الحديد الكبير، وحست للحظة غريبة، إحساس إن حد واقف ورا الباب، مستنيها تحط إيدها على المقبض.
ولما فتحته…
الريحة ضربتها في وشها.
مش ريحة مستشفى عادية، ريحة مطهر قديم مخلوط برطوبة وشيء تاني أعمق، شيء ليه علاقة بالوقت، بالمكان اللي اتساب سنين من غير ما حد يواجه اللي جواه.
الممر كان طويل، والنور ضعيف، والمكان فاضي إلا من صوت خطواتها، وكل خطوة كانت بترجع لها صداها كأنه مشي شخص تاني وراها.
قابلها ممرض عجوز، وشه مليان تجاعيد، وعينيه غارقة لجوه كأنه ما نامش بقاله سنين.
– "حضرتك الدكتورة الجديدة؟"
قالها وهو ما بيبصش في عينها.
– "أيوه."
– "ربنا يستر."
الكلمتين دول كانوا كفاية
وهي بتتمشى في المستشفى، عشان تتعرف على المكان، بدأت تلاحظ إن في ممر جانبي دايمًا مقفول، مفيش عليه أي لافتة، ولا رقم غرفة، بس باب حديد تقيل، لونه أغمق من باقي الأبواب، وكأن الزمن نفسه واقف عنده.
وقفت قدامه ثواني، مش عارفة ليه، حسّت إن الباب ده بيشدها، مش فضول، لأ، حاجة أقرب للنداء.
– "الباب ده بيودّي على فين؟"
سألت ممرضة كانت معدية.
الممرضة وقفت فجأة، وبصت لها بوش شاحب، وقربت منها وهمست:
– "إبعدي عنه… الغرفة دي ما بتحبش حد يسأل عليها."
– "يعني إيه؟"
– "يعني لو عايزة تكمّلي هنا… انسِي إنها موجودة."
الليل نزل تقيل، والهدوء زاد، والمستشفى بقى شبه مقبرة كبيرة، ليلى كانت في أوضتها، بتحاول تنام، بس إحساس إنها مش لوحدها كان رافض يسيبها، كل شوية تحس بنسمة هوا باردة تعدي، أو صوت خفيف في الممر.
وفجأة…
سمعت صوت.
مش صريخ، ولا خبط قوي، لأ…
همسة.
همسة جايه من بعيد، من ناحية
قعدت على السرير، قلبها بيدق بعنف، وهي بتحاول تقنع نفسها إن اللي سمعته مجرد صوت مواسير، أو خيال.
بس الهمسة رجعت.
أوضح.
وأقرب.
وكانت بتنادي اسمها.
– "ليلى…"
قامت واقفة، رجليها تقيلة، ومشت خطوة خطوة لحد باب أوضتها، فتحته بحذر، الممر كان فاضي، بس الإحساس بالخطر كان مالي المكان.
بصت ناحية الباب الحديد.
وكان مفتوح شق صغير.
والضلمة اللي جوه…
ما كانتش ضلمة عادية.
كانت ضلمة بتتحرك.
وفي اللحظة دي، فهمت حاجة واحدة بس:
المستشفى دي مش مكان شغل…
دي مصيدة.
وهي دخلتها بإيدها.
الفصل الثاني:
ليلى كانت واقفة قدام الباب الحديد، مش قادرة تقرّب ولا قادرة ترجع، والهواء اللي طالع من الشق المفتوح كان أبرد من أي حاجة عرفتها قبل كده، برودة مش بس في الجلد، لأ، برودة بتزحف لجوه العضم، كأنها بتفصلها واحدة واحدة عن جسمها، عن الواقع.
الهمسات كانت شغالة، مش صوت واحد، أصوات كتير، متداخلة، كل واحد فيهم بيقول اسمها بطريقة مختلفة، واحدة ناعمة، واحدة غاضبة،