الغرفه الملعونه..بقلم حسن الشرقاوي
رجعت خطوة لورا، وقالت بصوت متقطع:
– "فيه حد هنا؟"
السؤال نفسه كان غلطة.
الهمسات سكتت فجأة، والصمت اللي نزل كان أتقل من أي صوت، صمت يخلي ودانها توجعها، يخليها تسمع دقات قلبها عالية زيادة عن اللزوم، وتحس إن كل نفس بتاخده محسوب عليها.
وفجأة…
الباب اتحرك.
مش اتفتح مرة واحدة، لأ…
اتسحب ببطء، صوت الحديد وهو بيحتك في الأرض كان عامل زي صرخة طويلة مكتومة، ومع كل سنتيمتر بيتفتح، الظلمة اللي جوه كانت بتتمدد، كأنها بتطلع تستقبلها.
حاولت تجري…
رجليها ما اتحركتش.
الإحساس كان غريب، مش شلل، لأ، كأن الأرض نفسها مسكاها، كأن المستشفى مش مبنى، كائن حي، وقرر يحتفظ بيها.
خطوة واحدة…
ودخلت.
أول ما عدّت العتبة، الباب قفل وراها بعنف، صوت القفل رن في ودانها زي حكم نهائي، والنور
بعد ثواني، النور رجع…
نور ضعيف، أصفر، بيطلع من لمبات قديمة معلقة في سقف عالي بشكل مستحيل، السقف كان أعلى بكتير من أي حاجة شافتها في المستشفى، كأن الغرفة دي مش جزء من المبنى، كأنها مكان محشور جوه مكان.
الحيطان كانت مليانة كتابات، أسامي محفورة بالأظافر، تواريخ، جمل ناقصة، ورا بعض الكلمات في بقع سودا، مش باين دم ولا صدأ، حاجة أقدم، حاجة اتشبعت يأس.
قربت من حيطه، وقرت:
"دخلت عشان أساعد… خرجت من نفسي."
قلبها وقع.
وفي نص الغرفة كان في سرير عمليات، معدن قديم، متآكل، مربوط فيه سيور جلد متشققة، بس اللي خلّا معدتها تلف مش السرير…
اللي خلّاها تحس إنها بتموت ببطء…
إن السرير كان سخن.
حد
– "لا… لا…"
قالتها وهي بتهز راسها، بتحاول تضحك، ضحكة هستيرية قصيرة، بس الصوت طلع مبحوح، غريب، مش صوتها.
وهي بتلف حوالين السرير، لاحظت مراية كبيرة على الحيطة المقابلة.
قربت…
وبصت.
اللي شافته ما كانش انعكاسها.
كانت شايفة نفسها، آه…
بس مش دلوقتي.
شايفة نفسها نايمة على السرير، عنيها مفتوحة، بتصرخ من غير صوت، وفي حواليها دكاترة لابسين لبس قديم، وشوشهم مش واضحة، كأنها ممسوحة، وكلهم بيبصوا عليها، مش بشفقة، لأ…
بفضول.
رجعت تصرخ:
– "إنتوا مين؟!"
وفي اللحظة دي، الأصوات رجعت…
مش همس…
ضحك.
ضحك واطي، جماعي، مالي المكان، ضحك ناس استسلمت من زمان، وبقت بتتسلى بأي حد جديد.
الأرض تحت رجليها ابتدت تهتز، مش زلزال، لأ، إحساس إن المكان نفسه بيتنفس، ومع
آخر تاريخ مكتوب كان تاريخ النهارده.
اسمها اتكتب قدام عنيها.
ليلى.
في اللحظة دي فهمت الحقيقة كاملة، المستشفى ما كانتش بتعالج، ولا بتقتل، ولا حتى بتعذب…
كانت بتحبس.
بتحبس أرواح ناس دخلوا بنيّة كويسة، دكاترة، ممرضين، مرضى، وكل واحد فيهم ساب جزء من نفسه هنا، لحد ما الغرفة بقت مليانة أصوات، مليانة وجوه، مليانة حكايات ناقصة.
المراية اتحركت، وخرجت منها إيد…
إيد شبه إيدها.
مسكتها.
والآخر حاجة حسّت بيها قبل ما النور يطفي خالص، وقبل ما صوتها يختفي وسط الأصوات، كانت جملة واحدة بتتكرر في دماغها، كأن الغرفة نفسها بتقولها:
"إحنا مش أشرار…
إحنا بس لوحدنا من زمان."
وفي صباح يوم جديد، عربية إسعاف
ودكتورة جديدة نزلت…
والممرض العجوز قال نفس الجملة:
"ربنا يستر."