أطراف السواقي..بقلم حسن الشرقاوي
الفصل الأول:
اللي يعرف قرية السواقي يعرف إنها مش بس هادية…
دي قرية بتحب الروتين، وتخاف من أي تغيير.
النهار فيها بيبدأ قبل الفجر، بصوت الديكة، وينتهي بعد العشا على صوت الراديو القديم في بيوت قليلة.
الليل كان دايمًا صديق، عمره ما كان مخيف.
لحد الليلة دي.
قبل الغروب بشوية، الهوا وقف.
ولا نسمة بتتحرك، ولا ورقة شجر بتهتز.
حتى العصافير سكتت بدري، كأنها حسّت بحاجة.
الشمس نزلت ورا الغيطان وهي تقيلة، لونها أحمر داكن، انعكس على الترعة فخلا الميه تبان كأنها دم سايح.
عم رجب، وهو بيقفل الدكان، مسح عرقه وهو حاسس بضيق من غير سبب.
في اللحظة دي…
شافها.
ما سمعش خطوات.
ما سمعش صوت.
بس فجأة كانت واقفة.
ست، شكلها مش باين عمرها.
ممكن تكون في التلاتينات… وممكن أكبر بكتير.
الطرحة نازلة لتحت، بس اللي باين من وشها كان أبيض زيادة عن اللزوم، كأنه ما شافش شمس بقاله سنين.
عينيها؟
سود…
مش سودا عادية، لأ، سودا فاضية.
عم رجب حاول يضحك ضحكة خفيفة، يكسّر التوتر.
"أهلاً يا ست… أول مرة أشوفك هنا."
الست بصّت له…
بصّة طويلة، كأنها بتقيسه.
وبعدين قالت، بصوت واطي، مبحوح:
"مش أول مرة."
عم رجب اتلخبط.
"إزاي يعني؟"
بسها ما ردتش.
عدّت من جنبه، وهو حس بساقه
ريحة غريبة طلعت معاها.
ريحة طين، وميه راكدة، وحاجة أقدم…
ريحة مكان ما شافش نور.
الست مشيت جوه القرية، وكل ما تعدي قدام بيت، نور اللمبة يضعف لحظة… ويرجع.
أم حسن، اللي كانت واقفة في البلكونة، حسّت قلبها يقف.
همست لجارتها:
"الست دي… وشها مألوف."
"مألوف إزاي؟"
"كأني شوفته في حلم وحش."
العيال اللي كانوا بيلعبوا في الشارع سكتوا مرة واحدة.
واحد منهم قال:
"هي ليه مش بتدوس على الأرض؟"
فعلاً…
خطوتها كانت غريبة.
مش واضحة، كأنها بتنزلق مش بتمشي.
عند أطراف القرية، وقفت قدام البيت المهجور.
البيت اللي محدش قرب له من سنين، واللي كانوا يقولوا إن الليل فيه ليه صوت.
الست حطت الشنطة على الأرض.
فتحتها.
محدش شاف اللي جواها…
بس صوت خفيف طلع.
صوت زي نفس طويل، مكتوم.
مدّت إيدها ناحية الباب.
والباب… اتفتح.
من غير ما تلمسه.
دخلت.
وقبل ما الباب يقفل، نور خافت خرج من جوه…
نور أخضر باهت، استمر ثانية واحدة، واختفى.
أول ما الباب قفل…
الكلاب ولعت عواء.
عواء يخترق الودان.
الجاموسة في الزرائب خبطت في الخشب.
الطيور طارت من الأشجار فجأة.
الليل نزل كأنه غطا القرية بغطا تقيل.
أم عبدو حاولت تنام، بس كل شوية تحس بحد قاعد جنبها.
مدّت إيدها…
السرير
في بيت الشيخ، محمود قعد جنب الشباك.
كان حاسس إن في حد بيراقب القرية كلها.
وبالفعل…
شاف نور ضعيف يطلع من البيت المهجور.
النور كان بيتحرّك، كأنه ماشي جوه الحيطان نفسها.
وبعدين…
شافها.
الست واقفة جوه البيت، باينة من الشباك المكسور.
وشها كان مرفوع ناحية السما.
وشفايفها بتتحرك.
كأنها بتعدّ…
أو بتقرأ أسماء.
محمود سمع اسمه.
واضح.
صريح.
"محمود…"
قفل الشباك وهو بيترعش.
قرأ آية الكرسي أكتر من مرة، بس الإحساس ما راحش.
في نص الليل، صوت خبطة واحدة اتسمعت في القرية كلها.
خبطة تقيلة…
كأن حاجة وقعت من السما.
وبعدها…
سكون.
الصبح جه، بس وشه كان شاحب.
الترعة لونها كان غامق.
السمك طالع على وش الميه ميت.
الناس نزلت الشارع، كل واحد عايز يتكلم…
بس مفيش كلام بيطلع.
لحد ما عم رجب قال، وهو بيبص ناحية البيت المهجور:
"إحنا دخل علينا زمن مش بتاعنا."
والغريب؟
إن محدش اعترض.
ومن اللحظة دي…
بقى واضح إن الست دي ما جتش تزور…
دي جت تستقر.
وجوا البيت المهجور…
كانت الشنطة مفتوحة.
وفاضية.
بس الأرض تحتها كانت مبلولة…
وكأن حاجة خرجت منها،
وحبت تتحرّك في القرية.
الفصل الثاني:
من بعد الليلة الأولى، قرية السواقي ما رجعتش زي ما كانت.
حتى
الناس نزلت الشارع، بس مفيش صباح الخير المعتادة.
مفيش هزار.
مفيش ضحك.
كل واحد ماشي وهو باصص في الأرض، أو باصص ناحية البيت المهجور من غير ما ياخد باله.
البيت…
كان واقف زي ما هو.
بس الإحساس حواليه اتغير.
الهوا هناك كان أتقل.
الحرارة أقل.
وكأن المكان ده لوحده في فصل غير باقي القرية.
أول كسر
أول حاجة اتكسرت كانت العيلة.
بهية بنت صابر، اللي كانت معروفة إنها هادية وبتخاف من خيالها، قامت من النوم تصرخ صرخة صحّت القرية كلها.
أمها دخلت جري:
"في إيه يا بنتي؟!"
بهية كانت بتترعش، عينيها واسعة زيادة عن اللزوم، وبتقول:
"هي كانت واقفة هنا… كانت بتبصلي."
"مين؟"
"الست… الست اللي في آخر القرية."
الغريب؟
بهية وصفت تفاصيل محدش شافها قبل كده:
الندبة اللي تحت ودنها،
السلسلة القديمة اللي في رقبتها،
والشنطة السودا…
اللي المفروض فاضية.
من ساعتها، بهية بقت ترفض تقرب من الميه.
أول ما تسمع صوت الترعة، تصرخ.
الليل بقى سيد المكان
بالليل…
القرية ما كانتش بتنام.
أنوار بتطفي لوحدها.
أبواب بتخبط من غير ريح.
وخطوات بتتمشى على السطوح.
عم جابر، اللي كان راجل تقيل ومش بيخاف، صحى على صوت حد بيناديه من ورا
"جابر…"
الصوت كان صوت مراته المتوفية.
فتح الباب…
ملقاش حد.
لكن على الأرض، كان في طين مبلول، طين جاى من ناحية الترعة، ماشي لحد جوه بيته.
قفل الباب…
وقعد يبكي لأول مرة من يوم ما مراته ماتت.
الست ابتدت تظهر
ما بقتش مستخبية.