أطراف السواقي..بقلم حسن الشرقاوي

لمحة نيوز

في نص النهار، اتشافت واقفة عند الترعة.
ما بتعملش حاجة…
بس واقفة.

وشها في الميه، كأنها بتبص على انعكاس مش انعكاسها.

أم حسن قربت منها بحذر:

"إنتِ مين؟ وعاوزة إيه مننا؟"

الست رفعت عينيها ببطء.
ابتسمت.

"فاكرة نفسك بريئة؟"

أم حسن وقعت في الأرض.
من اللحظة دي، لسانها اتعقد…
ما بقتش تعرف تنطق غير بكلمتين:
"غلطنا… غلطنا."

الرجالة تحاول تتدخل
الشيخ جمع رجالة القرية.
قالهم لازم يخلصوا من الست دي.

راحوا المغرب، ومعاهم قرآن، وسكاكين، ونوايا مليانة خوف.

وقفوا قدام البيت المهجور.
البيت كان مفتوح.

دخلوا.

الريحة كانت خانقة.
ريحة عفن، وميه قديمة، ودم… بس من غير ما يشوفوا دم.

الحيطان كان عليها علامات غريبة، محفورة مش مرسومة.
كلمات…
أسامي.

كل اسم كانوا يقروه، يحسوا بوخزة في قلبهم.

فجأة…
الباب قفل.

والست ظهرت وراهم.

صوتها كان أعلى من الأول، مش بشري:

"جايين تحاكموني؟
ما هو نفس اللي عملتوه زمان."

الأنوار طفت.
القرآن وقع من إيد الشيخ.

واحد من الرجالة صرخ:

"هي عارفة كل حاجة!"

وفعلاً…
كانت

عارفة.

الحقيقة تبتدي تطلع
الست مشيت بينهم، وكل ما تقرب من واحد، يشوف مشهد من الماضي.

واحد شاف نفسه وهو ساكت

واحد شاف نفسه وهو بيكذب

واحد شاف نفسه وهو بيحدف حجر

الصريخ مالي البيت.

وفجأة…
البيت وسّع.

الحيطان بعدت عن بعض.
الأرض بقت مية.

الست قالت:

"إنتوا غرّقتوني…
ودلوقتي هتغرقوا في اللي عملتوه."

الرجالة خرجوا جري.
واحد وقع ومقامش.

الصبح لقوه شايب…
رغم إنه كان شاب.

القرية بتفقد السيطرة
الأطفال بطلت تلعب.
الستات بطلت تضحك.
والرجالة بطلت تنام.

الترعة ابتدت تعلى.
مش في الميه…
في الصوت.

الليل كله همس.
همس بأسامي الناس.

والست؟
بقت تظهر في كل حتة…
مرة عند فرن العيش،
مرة عند الجامع،
مرة ورا شباك حد نايم.

وفي آخر ليلة من الفصل التاني…
الست وقفت في نص القرية.

رفعت صوتها لأول مرة قدام الكل:

"اللي ساكت شريك…
واللي شاف وسكت… دوره جاي."

والأرض اهتزت.

ومن ساعتها…
القرية فهمت إن اللي جاي
مش تحذير
ده حساب.


الفصل الثالث:


القرية ما صحيتش…
هي بس فتحت عينيها.

مفيش ديك صرخ.
مفيش صوت

راديو.
حتى الأذان طلع مكسور، كأن الميكروفون نفسه خايف.

قرية السواقي بقت شبه حد واقف قدام مرآة، وشايف نفسه لأول مرة.

الترعة فاضت.
مش فاضت ميه…
فاضت ريحة.

ريحة طين قديم، وميه واقفة، ونَفَس ناس ماتت ومخدتش حقها.

البيوت القريبة من الترعة صحيت لقت الأرض مبلولة، رغم إن الميه ما دخلتش.
آثار أقدام باينة في الطين…
حافية.
نسواني.

الست بقت الحقيقة نفسها
الست ما بقتش مستخبية.
ما بقتش ظل.

بقت واقفة في وضح النهار، في نص القرية، والناس شايفاها… ومش قادرة تقرّب.

وشها بقى واضح.
وش ست شافت ظلم زيادة عن طاقتها.
عينين سودا، بس مش فاضية…
مليانة وجع.

قالت بصوت واصل لكل بيت:

"مش أنا اللي جبت الرعب…
إنتوا اللي خبّيتوه سنين."

الناس بدأت تفتكر… غصب عنها.

اللي حصل زمان
من سنين طويلة،
كانت في ست اسمها زينب.

غريبة شوية،
عايشة لوحدها،
بتعرف في الأعشاب،
وتساعد الستات من غير مقابل.

لما واحد عيل مات فجأة،
ولما زرع باظ،
ولما حظ القرية وقف…

قالوا:

"هي السبب."

ما حدش سأل.
ما حدش دافع.

ربطوها.
شتموها.
ضربوها.

والأقسى؟
إن في ناس كانت واقفة…
ساكتة.

رمَوها في الترعة وهي بتصرخ:

"حرام… أنا مظلومة."

الصوت اتدفن تحت الميه.
والقرية كملت حياتها.

الرجوع
الست اللي واقفة دلوقتي رفعت دراعها.
الميه في الترعة اتحركت لوحدها.

مش طلع منها وحوش…
طلع صوت.

صرخات.
همسات.
كلمات اتقالت وقتها ومحدش سمعها.

كل واحد شاف نفسه في المشهد.

واحد شاف إيده وهو ماسك حجر

واحدة شافت نفسها وهي قافلة الشباك

واحد شاف نفسه وهو بيقول: "ملناش دعوة"

الناس وقعت على ركَبها.

الشيخ حاول يتكلم:

"ربنا غفور رحيم…"

بصّت له وقالت:

"غفور للي تاب…
مش للي نسي."

الحساب مش دم
ما كانش في قتل.
ما كانش في نار.

العقاب كان أبشع.

اللي سكت… فقد صوته

اللي كذب… بقى يشوف الحقيقة في كل حاجة

اللي شارك… يعيش نفس الرعب كل ليلة في حلمه

البيت المهجور انهار.
بس تحته…
بانت عظام.

الترعة رجعت هادية فجأة.
كأنها شبعت.

الست بصّت حوالين القرية، وقالت آخر جملة:

"أنا مش جاية أعيش…
أنا جاية أسيبكم تعيشوا مع اللي عملتوه."

ومشيت ناحية الترعة.

دخلت

الميه…
واختفت.

بعدها؟
القرية ما اتحرقتش.
ما غرقتش.

بس اتفضّت.

ناس سابت بيوتها.
ناس ما قدرتش تكمل.
واللي فضل…
فضل وهو مكسور.

وفي الليل،
لو عدّيت من هناك،
ممكن تشوف ست واقفة بعيد…
مش بتخوف.

بس بتفكّر.


لأن السؤال لسه موجود:

هل الرعب مشي؟
ولا إحنا بس اتعودنا عليه؟

 

تم نسخ الرابط