لعنة الهمسات..بقلم حسن الشرقاوي

لمحة نيوز

الفصل الاول 
الطريق للقرية كان طويل ومكسور أسفلت متآكل كأنه اتعض من الزمن والليل نازل تقيل زي بطانية سودا بتخنق النفس. العربية كانت بتهتز مع كل مطب وأنا سايق وإيدي ماسكة الدركسيون بعصبية وعيني بتسرح في الضباب اللي كان بيتكور قدام النور زي شبح مالوش ملامح. اسم القرية كان مكتوب على لافتة صدية النجع القبلي حروفها متآكلة كأن الاسم نفسه بيحاول يختفي.
أول ما دخلت حسيت إن الهوا اتغير بقى تقيل ريحته تراب مبلول وحاجة تانية ماعرفتش أحددها زي نفس قديم طالع من تحت الأرض. البيوت كانت واطية طوبها غامق شبابيكها مقفولة حتى وهي منورة وكأن النور جوه محبوس ومش عايز يطلع. مافيش صوت كلاب مافيش ضحك حتى صرصور الليل كان ساكت والسكوت ده كان أعلى من أي دوشة.
وقفت العربية قدام بيت العمدة القديم البيت اللي قالولي عليه في المكالمة اللي جتلي فجأة من رقم غريب مكالمة ماقالتش غير جملة واحدة بصوت مبحوح لو عايز الحقيقة تعالى النجع القبلي.

وبعدها الخط اتقفل. كنت فاكرها مزحة تقيلة بس الفضول شدني والفضول دايما بيجر وراه البلاوي.
نزلت وخطوتين بس حسيت إن الأرض تحت رجلي مش ثابتة كأنها بتتنفس تطلع وتنزل ببطء وقلبي مع كل نفس كان يدق أسرع. الباب اتفتح لوحده صريره طويل صرير يجرح الودان ودخلت. ريحة عفن صور قديمة معلقة عيون ناس ماتوا من سنين بس لسه بتبص بتراقب بتسأل.
ظهر راجل عجوز من الضلمة جلده مجعد عينه شمال بيضا واليمنى سودا سودا صوته واطي لكنه واصل اتأخرت الأرض زهقت من الانتظار. حاولت أسأله يقصد إيه لكن لساني تقيل الكلام اتربط جوه بقي. قال اللي هتسمعه هنا مش كله ينفع يتقال وفي حاجات لو سمعتها هتفضل سامعاك لحد ما تموت.
قعدت وهو بدأ يحكي. قال إن القرية دي مدفونة على سر سر أكبر من المقابر اللي حواليها وإن في ليالي معينة التراب بيهمس واللي يسمع الهمس يا إما يجن يا إما يبقى جزء منه. وأنا وأنا سامع حسيت بالهمس خفيف الأول زي ريح بين شقوق وبعدها بقى كلمات
مش مفهومة أسامي صريخ بعيد.
الليل اتقل والبيت كان بيقرب الحيطان كأنها بتيجي عليا والساعة وقفت. العجوز قام وقال دلوقتي لازم تشوف. وفتح باب ورا نازل لسلم تحت الأرض. كل درجة كانت أبرد من اللي قبلها وكل خطوة كانت بتشدني جوه أكتر. تحت لقيت غرفة وسطها حفرة وحواليها علامات محفورة دم ناشف وريحة موت.
قبل ما أسأل الهمس بقى صراخ والصراخ بقى صوت واحد بيقول اسمي.
الفصل الثاني لما التراب يطالب بحقه
الصوت كان طالع من الحفرة واضح قريب كأنه واقف تحت جلدي. اسمي اتكرر كل مرة بنبرة مختلفة مرة استعطاف مرة غضب ومرة تهديد صريح. حاولت أرجع السلم اختفى والباب اتقفل والدنيا ضلمت غير من نور خافت طالع من جوه الحفرة نفسها.
العجوز وقف جنبي بس ملامحه اتغيرت وشه بقى أوسع سنانه أطول وعينه البيضا ابتدت تسيل منها دموع سودا. قال إحنا كنا لازم نختار حد يسمع بدلنا والقرية اختارتك. وفجأة إيده دفعتني.
وقعت بس ماوصلتش للأرض حسيت إني بغوص في طين بارد
التراب بيدخل في بوقي في مناخيري بس الغريب إني لسه بتنفس. حواليا وشوش كتير أطفال ستات رجالة كلهم مفتوحين عينيهم وكلهم بيهمسوا في نفس الوقت. كانوا بيحكوا قصصهم ظلم دم خيانة دفن من غير حساب.
حاولت أصرخ بس صوتي اتحول همس وبقيت فاهم. القرية مش مسكونة القرية نفسها الكائن كائن عايش على الذكريات المدفونة وكل ما حد يسمع بتسلمه الحمل. حسيت نفسي بتفقد جسمي ببقى فكرة ذكرى همسة جديدة.
فوق سمعت صوت عربية جاية حد جديد. الهمس جوه عقلي قال دورك خلص دلوقتي تسمع. وابتسمت ابتسامة ماكنتش بتاعتي وأنا بصوت مبحوح خرج من الأرض لأول مرة لو عايز الحقيقة تعالى النجع القبلي.
ومن يومها الطريق لسه طويل واللافتة لسه صدية والليل لسه تقيل واللي بيدخل نادرا ما بيطلع.
لكن الحكاية ما خلصتش هنا لأن اللي يتحول لهمسة ما بيموتش وذاكرته بتفضل مربوطة بالمكان وكل ليلة كانت بتمر كنت بحس بالقرية أكتر أسمع خطوات الناس فوق التراب أميز خوفهم من نفسهم وأشم
ريحة القلق
تم نسخ الرابط