لعنة الهمسات..بقلم حسن الشرقاوي

لمحة نيوز

قبل ما يوصلوا الباب. في ليالي القمر الهمس كان يزيد والقبور كانت بتتحرك حركة خفيفة زي صدر واحد مريض بيحاول ياخد نفس.
كنت بشوف العجوز كل مرة بملامح مختلفة مرة طفل مرة ست عجوز مرة شاب بعينين مكسورين وفهمت إن ده مش شخص ده دور دور بيتورث زي اللعنة بالظبط. وكل ما حد جديد ينزل السلم كنت بحاول أحذره بس التحذير بيطلع مني دعوة دعوة تيجي بيها القرية واحد كمان.
وفي مرة سمعت صوت بنت صوتها كان مختلف ماكنش مليان رعب زي الباقي كان مليان وجع والوجع ده هو أخطر حاجة. ساعتها التراب اهتز والهمس اتلخبط والقرية نفسها صرخت لأن في ناس ما ينفعش تسمع ولو سمعت ممكن تغير اللعبة كلها.
الفصل الثالث اللي يسمع الهمسة مايرجعش زي ما كان
صوت البنت ماكانش زي أي صوت سمعته قبل كده لا كان صريخ ولا كان همس تقيل كان نبرة مكسورة طالعة من قلب اتعجن خوف ووجع سنين
نبرة خلت التراب نفسه يسكت لحظة وكأن القرية اتلخبطت مش متعودة على النوع ده من الأصوات. اسمها كان بيتقال جوه عقلي من غير ما حد ينطقه سلمى ومع أول مرة سمعت اسمها حسيت بشرخ جوايا شرخ في الهمسة اللي بقيت جزء منها.
سلمى نزلت النجع في عز الليل شنطتها خفيفة وخطواتها تقيلة ماشية وهي حاسة إن في عينين بتراقبها من كل حتة من الشبابيك المقفولة من الشجر من الأرض نفسها. أول ما عدت من جنب اللافتة الصدية وقفت حست بدوخة مفاجئة كأن حد همس في ودنها باسمها لفت حواليها مافيش حد بس الهوا كان بارد زيادة عن اللزوم.
أنا كنت شايفها شايف خوفها شايف ذكرياتها وهي بتطلع طفولة مليانة ضرب أم ساكتة وأب كان صوته أعلى من الرحمة وقرية تانية كانت شبه دي بس سابتها وهربت. القرية بتحب النوع ده الناس المكسورة لأنهم أسهل حد يسمع.
بيت العمدة فتح بابه لوحده تاني نفس
الصرير نفس الريحة بس المرة دي الحيطان كانت أضيق كأن المكان بيتنفس أسرع. العجوز ظهر قدامها بس ماكانش عجوز كان شاب في أوائل التلاتينات عينه مليانة حزن وقال لها بهدوء مرعب إنت جيتي قبل ما نناديك.
قعدت وسمعت بس الهمس ماقدرتش يبلعها زي ما بلعني. كانت بتسأل كل سؤال منها كان بيشق الهمسة نصين وده كان خطر. لما نزلت تحت الأرض الحفرة اهتزت والوشوش اللي جوه التراب ابتدت تبكي مش تصرخ تبكي بجد.
سلمى ركعت على حافة الحفرة ولمست التراب وقالت جملة واحدة جملة بسيطة بس كانت زي سكينة إنتوا مدفونين لأنكم سكتوا. في اللحظة دي الهمس علي بقى فوضى ذكريات بتتصادم دم بيطلع من الحيطان والسلم اللي كان دايما بيختفي ظهر.
القرية ماحبتش كده.
الأرض انفتحت وسحب حاول ياخد سلمى جوه وأنا حسيت نفسي بترجعلي ملامحي صوتي غضبي. لأول مرة الهمسة ماكانتشي مسيطرة. حاولت
أصرخ تحذير والصوت طلع حقيقي عالي.
سلمى جريت السلم طلعها والباب اتقفل وراها بعنف. فوق الليل كان بيصرخ الكلاب نبحت لأول مرة والنجع القبلي اهتز كأنه بيتكسر من جوه.
بس القرية ما بتموتش.
قبل الفجر سلمى كانت واقفة على أول الطريق بصت وراها حست إن في حاجة جواها اتغيرت همسة صغيرة ضعيفة بس موجودة. وأنا رجعت همسة تاني بس مش زي الأول همسة فاكرة مستنية.
لأن في يوم سلمى هتحكي واللي يحكي بيزرع همسات جديدة.
والنجع القبلي ماودعش حد.
الطريق فضل واقف زي ما هو اللافتة الصدية بتترن مع الهوا والليل بيبلع آخر نجمة في السما. مافيش حد شاف سلمى تاني ومافيش حد قدر يثبت إنها خرجت فعلا بس في ناس قالت إنها سمعت صوت بنت بيحكي حكاية في القرى اللي جنب النجع حكاية تخلي الدم يبرد في العروق.
أما أنا فضلت هنا. مش همسة بتنادي ولا صرخة بتحذر. بقيت سكون.
والسكون
أخطر من أي صوت.
تمت.

تم نسخ الرابط