الجبدية..بقلم حسن الشرقاوي

لمحة نيوز

الفصل الأول
كفر أبو بري ما كانتش مجرد قرية كانت كيان حي بيتنفس ببطء وكأن كل نفس بيطلع منها محتاج إذن. أول ما تدخل حدودها تحس إن الدنيا اتقلت فجأة كأن حد زود الجاذبية من غير ما يقولك. الطريق الترابي اللي داخل عليها متعرج محفور بآثار سنين مطر وشمس وعلى الجانبين زرع ناشف لونه مائل للرمادي حتى الأخضر هنا تعبان.
كريم كان سايق العربية على مهله مش خوف إحساس. إحساس إن السرعة قلة احترام للمكان. كل متر يقربه من القرية كان بيشيل طبقة من الزمن اللي عاشها بعيد. ريحة الطين ضربت أنفه قبل ما يشوف أول بيت. ريحة عارفها ريحة طفولة بس دلوقتي فيها حاجة غريبة حاجة مسننة من جوه.
أول بيت ظهر قدامه كان متهالك حيطانه متشققة وعلى بابه راجل عجوز قاعد على مصطبة واطي راسه. أول ما العربية عدت العجوز رفع عينه. النظرة كانت طويلة زيادة عن اللزوم. كريم حس إن الراجل ما بيبصش عليه هو بيبص وراه.
دخل قلب القرية.

البيوت لازقة في بعض الشوارع ضيقة لو فردت دراعك ممكن تلمس حيطتين في نفس الوقت. الشبابيك صغيرة متغطية بستائر تقيلة ومع ذلك حاسس بعيون. ستات واقفة ورا القماش رجالة قاعدة ساكتة ولا صوت غير صوت خطواته.
قابل عم جابر الحانوتي عند أول دكان. الراجل كان بيغسل إيده في طشت مية لونها غامق لون ما يتسماش. كريم سلم عم جابر رفع عينه وقال بهدوء تقيل رجوعك هيصحي اللي نايم. لا زود ولا نقص. بعدها كب المية في الأرض والأرض شربتها بسرعة مرعبة.
كريم مشي وهو حاسس بقشعريرة طالعة من ضهره لحد رقبته. افتكر نفسه وهو صغير وهو بيعدي من هنا وإحساس إن في حد بينده عليه من وراه. الإحساس رجع دلوقتي أوضح وأقرب.
ترعة الجبدية ظهرت فجأة كأنها كانت مستخبية وقررت تبان. مجرى واسع مايته سودا سطحها ناعم زيادة عن اللزوم لا موجة ولا حركة كأنها واقفة. الهوا حواليها أبرد والطيور بتلف وتبعد.
كريم وقف ثانية غصب عنه. بص في المية
وشاف انعكاسه متشوه. ملامحه كانت باينة بس مش ثابتة. حس بدوخة خفيفة وصوت واطي جوه دماغه قال اسمه. غمض عينه بسرعة وبعد.
بيت أمه كان أقرب بيت للترعة. باب خشب قديم كان دايما يقفل كويس بس دلوقتي موارب. كريم وقف قدامه لحظة طويلة قبل ما يمد إيده. أول ما فتح ريحة رطوبة وزمن ضربته.
الصالة فاضية الأثاث متغطي بتراب بس الأرض الأرض كانت مبلولة. مش مية منتشرة وخلاص دي آثار رجلين واضحين حجمهم أكبر شوية من الطبيعي طالعة من ناحية باب البيت داخلة لجوه.
كريم حس إن قلبه وقع في رجليه. لف في البيت كله مفيش حد. رجع الصالة الآثار كانت لسه موجودة. حاول يقنع نفسه إنها بقايا مية قديمة بس شكلها كان جديد لامع.
مع غروب الشمس القرية سكتت. سكات كامل كأن حد قفل زرار الصوت. كريم قعد على سرير أمه. السرير صر تحته. افتكرها وهي بتقوله زمان إوعى تقرب من الجبدية بعد المغرب اللي هناك مش مية وبس. وقتها ضحك.
دلوقتي
وهو سامع صوت المية من بعيد ما ضحكش.
في نص الليل صحي على صوت جر. صوت تقيل جاي من الشارع. فتح الشباك بهدوء شاف عم جابر ماشي لوحده شايل نعش فاضي وبيهمس لسه بدري. النعش كان بيجر أثر على الأرض أثر مية.
قفل الشباك وهو بيتنفس بالعافية. رجع السرير بس النوم ما جاش. كل ما يغمض عينه يشوف وش سيد صاحبه وهو بيغرق عينه مفتوحة وفمه بيحاول ينطق اسمه.
مع أول ضوء فجر كريم كان صاحي. القرية كانت لسه نايمة بس هو كان متأكد كفر أبو بري فاقت.
الفصل الثاني
دخل الصبح على كفر أبو بري تقيل زي كفن مفرود على وش الدنيا. الشمس كانت طالعة فعلا لكن نورها أبيض باهت مالوش حرارة ولا روح كأنه نور مصباح مكسور بيحاول يشتغل بالعافية. كريم فتح باب بيت أمه ووقف ثانية قبل ما ينزل حس إن البيت مش عايزه يمشي كأن الحيطان نفسها عايزة تحبسه جوه.
الشارع كان فاضي ظاهريا لكن الحقيقة كانت غير كده. في إحساس خانق إن في ناس واقفة
ورا الشبابيك عيون
تم نسخ الرابط