الجبدية..بقلم حسن الشرقاوي
بتتحرك أنفاس بتطلع وتدخل وكل نفس تقيل. حتى القطط اللي كانت دايما مالية الشوارع اختفت. الصمت كان مسموع.
كريم مشي ناحية الجبدية. كل خطوة تقربه منها كانت بتشد صدره أكتر. الترعة ظهرت قدامه فجأة واسعة ساكنة مايتها سودا وناعمة كأنها جلد كيان حي. الهوا حوالين الميه أبرد بوضوح وريحة طين قديم دخلت مناخيره وخبطت في دماغه بذكريات مش مفهومة.
نعيمة العرجا كانت قاعدة مكانها المعتاد رجلها المكسورة مسنودة على حجر متآكل الحجر نفسه شكله أقدم من القرية. وشها كان مليان تجاعيد عميقة تجاعيد محفورة مش من سنين من خوف متكرر اتعاد آلاف المرات.
قالت من غير ما تبص له كنت مستنياك.
قعد جنبها قلبه بيدق بعنف. سألها ليه أنا
ضحكت ضحكة قصيرة صوتها خرج ناشف عشان اللي يهرب بينسى وإنت عمرك ما نسيت.
بدأت تحكي المرة دي بتفاصيل أكتر كأنها كانت مستنية اللحظة دي طول عمرها. قالت إن زمان قوي قبل ما كفر أبو بري يتسمى باسمه المكان
ومع السنين الحفرة اتملت دم ودموع. الميه جات بعدها لوحدها كأن الأرض استدعتها عشان تغطي على اللي حصل. بس الميه ما نسيتش.
يوم ما قرروا يوسعوا الجبدية العمال نزلوا بالمعاول. أول خبطة طلعت صوت غريب مش حجر ولا خشب لحم. أول واحد صرخ وقع بعدها في نفس الحفرة ومطلعش.
من الليلة دي كل حاجة اتغيرت. الميه بقت تاخد. مش دايما غرق. ساعات مرض مفاجئ ساعات جنان ساعات حد يختفي وما يلاقوش غير هدومه مبلولة.
نعيمة قالت إن في عهد اتعمل. روح كل سنة. القرية وافقت وسكتت. اللي حاول يعترض اختفى.
كريم حس بالغثيان. افتكر سيد افتكر وشه وهو تحت الميه عينه المفتوحة. حس بذنب خانق.
ساب نعيمة ومشي دخل قهوة سلامة. جوة القهوة ريحة سجاير قديمة وعرق وخوف. الرجالة قاعدة بس المرة دي اتكلموا. واحد قال إن ابنه بيصحى كل ليلة
في آخر القعدة شيخ شاب اسمه رجب قال بصوت مبحوح الجبدية شبعانة دم بس لسه جعانة عدل.
الليل نزل تقيل. كريم رجع البيت بس ما نامش. في نص الليل سمع صوت الميه بتتحرك. خرج شاف منصور واقف عند الحافة عينه فاضية. حاول يقرب لكن جسم منصور وقع فجأة.
الميه بلعته من غير صوت.
طلع بعدها بدقايق. جسمه بيرتعش. قال بصوت مش صوته فاكرين إننا نموت ونخلص
كفر أبو بري عرف إن الجبدية صحيت فعلا.
الفصل الثالث
القرية صحيت على خوف معلق في الهوا. مفيش جنازات مفيش صويت بس كل بيت قافل على سره. المصاطب فاضية والدكاكين مقفولة بدري وكأن الناس اتفقت من غير كلام إن النهار ده يتعدي في صمت.
كريم كان ماشي في الشوارع وهو حاسس إن الأرض نفسها بتراقبه. كل خطوة ليها صدى وكل صدى بيرجع متأخر كأن حد بيرد عليه من تحت.
راح للشيخ عبد الدايم. الشيخ كان قاعد في أوضة ضلمة نور لمبة صفرا ضعيفة
قال الحقيقة ببطء كلمة كلمة. قال إن الجبدية مش لعنة دي ذاكرة. ذاكرة شالت ظلم سنين طويلة. كل روح اتدفنت من غير حق فضلت هناك مستنية اعتراف.
أم كريم كانت شاهدة. شافت بعينها رمي بنت صغيرة وهي عايشة. لما حاولوا يخلصوا منها الميه طلعت ودفعتها بعيد.
قال له إنت مش مختار إنت الباقي.
كريم فهم إن دمه مربوط بالترعة. وإنها عمرها ما كانت هتسيبه.
في الليلة الأخيرة القرية كلها اتجمعت عند الجبدية. الميه عليت وشوش طلعت أيدي طالعة وأصوات بتنادي باسمه.
كريم قرب رجليه تقيلة بس ثابتة. شاف وشوش الأطفال الستات الرجالة. قال بصوت مكسور بس ثابت مش هاكون بديل حد.
الميه صرخت. صرخة هزت البيوت كسرت الشبابيك وأسقطت ناس على الأرض. بعدها هديت فجأة.
الفجر طلع. الترعة رجعت ساكنة. ناس كتير عاشت. ناس كتير اتجننت. القرية اتغيرت للأبد.
كريم فضل عايش بس مش زي الأول.
كفر أبو بري
والجبدية
عمرها ما نامت.