الملك الذي سرق ظله..بقلم حسن الشرقاوي

لمحة نيوز

حكاية الملك الذي سُرق ظلّه

يُحكى – والله أعلم بما كان وما يكون – أنّه في سالف العصر والأوان، حين كانت الممالك تُقاس بهيبة ملوكها لا بعدد جيوشها، وحين كان الليل مأوى للحكايات لا للنوم، قامت في أقصى الشرق مملكة تُدعى مملكة السِّتار، سُمّيت كذلك لأن الشمس إذا أشرقت عليها بدت كأنها تخجل من نورها، فتسحب أشعتها رويدًا، وتترك للقصور والقباب ظلًّا أطول من المعتاد، حتى قيل إن لكل إنسان فيها ظلّين، واحد يسير معه، وآخر يسير قبله.

وكان يحكم هذه المملكة ملك يُدعى شاهين بن شاهين، ملكًا عظيم الشأن، مهيب الطلعة، إذا دخل مجلسه صمتت الألسنة، وإذا تكلّم خُيِّل للسامعين أن الجدران نفسها تنصت، غير أنّ هذا الملك – على كثرة ما يملك – كان يجهل سرًّا واحدًا، سرًّا لو علمه لتمنّى لو لم يولد ملكًا قط.

الليلة التي اختفى فيها الظل

في ليلة مقمرة، ساكنة الريح، نام الملك شاهين بعد عناء يومٍ طويل من الحكم، وحين استيقظ مع أذان الفجر ليغتسل كعادته، وقف أمام مرآته المصنوعة من فضةٍ معتّقة، فرفع رأسه، فرأى وجهه، ورأى جسده، ورأى

تاجه، غير أنّه لم يرَ شيئًا خلفه.

لا ظلّ.

التفت، فالتفتت الغرفة.
خطا خطوة، فخطت الأرض.
لكن الظل… لم يعد.

فارتعد قلب الملك، لأن الحكماء كانوا يقولون:

“من سُرق ظلّه، سُرق مصيره، ومن ضاع مصيره، صار عبدًا لما لا يُرى.”

المنجّم الأعمى

أمر الملك بإحضار سالم الأعمى، منجّم المملكة وحافظ أسرارها، رجل فقد بصره صغيرًا، لكن قيل إن عينيه فُتحتا من الداخل، وكان إذا تكلّم خرجت كلماته محمّلة بما يثقل الصدر.

تحسّس سالم الأرض بعصاه، ثم قال بعد صمتٍ طويل:
"يا مولاي، ظلك لم يُفقد، بل أُخذ، وأُخذ لأن أحدًا في هذه المملكة تمنى أن يكون مكانك، لا على عرشك، بل في قدرك."

ثم أضاف بصوتٍ أخفض:
"الذي سرق الظل، ليس إنسانًا… بل جنّيٌّ لا يظهر إلا في الحكايات التي لم تُحكَ بعد."

بداية الرحلة

وهكذا، تنكّر الملك في زيّ تاجر، وخرج من مملكته ليلًا، لا معه جيش ولا حاشية، بل سيف قديم، وخاتم أمّه، وحكاية لم تبدأ بعد، وسار عبر الصحارى، والبحار، والمدن التي لا تنام، حتى وصل إلى أطراف العالم، حيث تُباع الأحلام في الأسواق، وتُشترى

الأرواح بكلمة.

وفي هناك، في سوقٍ لا يُفتح إلا بعد منتصف الليل، قابل امرأة تبيع ظلالًا معلّقة في أقفاص من دخان، وحين سألها عن ظلّه، ابتسمت وقالت:
"ظلك ليس للبيع… لأنه صار يحكم."

الجنّي الذي صار ملكًا

علِم شاهين أن الجنّي الذي سرق ظلّه لبسه، فصار نسخةً منه، يجلس على العرش، ويحكم باسمه، ويعيش قدره، بينما هو نفسه صار مجرّد حكاية تمشي على قدمين.

ولم يكن أمامه إلا طريق واحد:
أن يدخل مدينة الجنّ السبعة،
وأن يحكي حكايته كاملة،
لأن الجنّ – كما قيل –
لا يهزمهم سيف،
ولا نار،
ولا دعاء…
بل حكاية تُقال كما يجب.

وهنا… تتفرّع الحكاية

لأن في مدينة الجنّ:

كل باب له حكاية

وكل حكاية لها ثمن

وكل ثمن يُدفع من العمر أو الذاكرة

ولو كملت، هتبقى:

خيانة من أقرب الناس

حبّ مستحيل بين إنسيّة وجنّي

اختبار أخير يختار فيه الملك:
يستعيد ظله… أم يتركه ليبقى ملكًا إلى الأبد؟

،

الليلة الثانية: مدينة الجنّ السبعة

ويُحكى – والعهدة على الرواة – أنّ الملك شاهين بن شاهين، بعدما علم أنّ ظلّه صار جالسًا على عرشه يحكم باسمه

ويأكل من طعامه ويُصدر الأوامر بصوته، لم يجزع كما يجزع الملوك حين تُسلب منهم التيجان، بل شعر بشيءٍ أشدّ قسوة، شعر بأن العالم كلّه صار ينكره، وكأن وجوده نفسه أصبح زائدًا عن الحاجة، فشدّ رحاله نحو مدينة الجنّ السبعة، المدينة التي لا تظهر على الأرض إلا لمن ضلّ الطريق عامدًا، وسار أيامًا وليالي لا يحصيها العدّ، حتى خفّ الماء من قربته، وثقل التعب في عظامه، وبدأ يسمع أصواتًا تناديه باسمه من جهاتٍ لا يرى أصحابها.

وحين بلغ مشارف المدينة، وجدها قائمةً على سبع بوّابات، كل بوابة من معدنٍ غير الذي يليه، باب من نحاسٍ مسنون، وباب من فضة سوداء، وباب من خشبٍ حيّ يتنفس، وباب من عظمٍ أبيض، وباب من نارٍ ساكنة، وباب من ظلٍّ خالص، وأخيرًا باب لا يُرى إلا إذا أغمض الداخل عينيه، وكان فوق كل باب نقشٌ واحد، يقرأه القلب قبل العين:
"ادخل حاكيًا، واخرج إمّا ناسيًا، أو مكسورًا، أو حكيمًا."

بوابة النحاس: حكاية الطمع

دخل الملك أول الأبواب، فوجد نفسه في قاعةٍ واسعة يجلس في صدرها جنيّ عظيم الجثة، تلمع عيناه كالدنانير المصقولة،

وقال له بصوتٍ كاحتكاك المعادن:
"لن تعبر حتى تحكي لي أول مرة رغبتَ فيها بما ليس لك."

تم نسخ الرابط