الملك الذي سرق ظله..بقلم حسن الشرقاوي

لمحة نيوز

فحكى شاهين، وحكايته طالت، عن يومٍ رأى فيه عرش أبيه قبل موته، وتمنى في سرّه أن يعجّل القدر خطاه ليجلس هو مكانه، وما إن انتهى من الحكاية حتى ضحك الجني ضحكةً جعلت الجدران ترتجف، وقال:
"كل ظلٍّ يُسرق، سبقه طمعٌ لم يُقال."

ففُتح الباب الثاني.

بوابة الفضة السوداء: حكاية الخيانة

وهناك، وجد جنيّة بوجهٍ جميل وعينين لا تثبتان، قالت له:
"احكِ لي عمّن خانك وأنت تظنّه أقرب الناس."

فتردّد الملك طويلًا، لأن الاسم الذي دار في قلبه كان اسم أخيه، أخيه الذي بقي في القصر، والذي كان أول من ركع للظلّ الجديد، وأقسم له بالولاء، وحين نطق بالاسم انطفأت الفضة واسودّت أكثر، وقالت الجنيّة:
"الخيانة لا تصنعها الرغبة في الملك، بل الخوف من فقدانه."

بوابة الخشب الحيّ: حكاية الحب

وعند الباب الثالث، لم يجد جنيًّا ولا جنيّة، بل وجد شجرة تتكلم، قالت له بصوتٍ يخرج من جذورها:
"احكِ عن حبٍّ لم تكتمل حكايته."

فحكى عن جاريةٍ أحبّها سرًّا، وخاف أن يتزوّجها علنًا كي لا يقال إن الملك ضعف قلبه، فتركها للزمن، حتى تزوّجت غيره، وماتت دون أن تعرف الحقيقة، وحين انتهى من الحكاية تساقطت أوراق الشجرة، وقالت:
"من كتم الحب، كتم ظلّه معه."

بوابة العظم: حكاية الموت

أما الباب

الرابع، فكان أشدّها رهبة، لأن الجني الواقف عنده قال:
"احكِ عن أول مرة نظرتَ فيها إلى الموت ولم تفعل شيئًا."

فحكى شاهين عن مظلومٍ صرخ في ساحة القصر، وعن ملكٍ شابّ خاف أن يُغضب حاشيته، فسكت، وحين انتهى انغلق الباب خلفه، كأنه يذكّره أن بعض الصمت لا يُغفر.

بوابة النار الساكنة: الحقيقة

وعند الباب الخامس، لم يُطلب منه حكاية، بل سُئل سؤالًا واحدًا:
"لو عاد إليك ظلك، هل تعود كما كنت؟"

ولم يجب.

فانشقّ الباب رغم صمته.

بوابة الظلّ

وعند السادسة، وقف وجهًا لوجه مع ظله، حيًّا، متجسّدًا، يلبس التاج، ويبتسم ابتسامة من يعرف كل أسرارك، وقال له:
"أنا أنت، لكن بلا تردّد، بلا رحمة، بلا خوف، فلماذا تريد إعادتي إلى مكانك؟"

وهنا…
توقّفت الحكاية لحظة،
لأن الإجابة ستحدّد النهاية.

نكمّل الليلة الثالثة؟
وفيها:

الحكم الأخير للجنّ السبعة

قرار الملك بين العرش والإنسان

نهاية ما تتقالش غير همسًا
الليلة الثالثة: حين تكلّم الظل

ويُحكى – والله أعلم بالسرائر – أنّ الملك شاهين بن شاهين وقف أمام ظلّه المسروق، لا كسيدٍ أمام خادم، ولا كملكٍ أمام غاصب، بل كإنسانٍ يرى نفسه وقد تجسّدت فيه كلّ الصفات التي كان يخفيها عن العالم، وحين تكلّم الظلّ كان صوته مطابقًا

لصوته، غير أنّه خالٍ من التردّد، ممتلئٌ بثقة من لا يسأل نفسه إن كان على صواب.

قال الظلّ:
"أنا الذي حكمت حين تردّدت، وأنا الذي أمرت حين خفت، وأنا الذي بطشت حين سكتَّ، فهابك الناس أكثر مما هابوك في حياتك كلّها، وأمنت المملكة بعد أن كنتَ تخشى أن تزعج أحدًا، فقل لي الآن: أأنا اللصّ، أم أنا الحقيقة التي لم تجرؤ على عيشها؟"

فطال صمت شاهين، لأن الجواب لم يكن يسيرًا، ولأن الاعتراف حين يأتي متأخرًا يكون أثقل من الذنب نفسه، ثم قال بصوتٍ لا يشبه صوت الملوك ولا صوت الخاسرين:
"أنت فعلاً أنا، لكن بلا قلب، وأنا إن كنتُ أخطأت، فلم أخطئ لأنني ضعيف، بل لأنني اخترت أن أكون بشرًا."

فضحك الظلّ ضحكة قصيرة، وقال:
"والبشر لا يصلحون للحكم."

حكم الجنّ السبعة

عندها، اجتمع الجنّ السبعة في دائرةٍ لا يُرى أولها من آخرها، وكلّ واحدٍ منهم يحمل الحكاية التي حكاها الملك، وقد صارت الحكايات أثقل من الجبال، وأخفّ من الدخان، وقال كبيرهم، وهو الذي لم يكن له شكل ثابت:
"يا شاهين بن شاهين، لقد عبرت الأبواب كلها، ولم تكذب في حكاية، ولم تُجمّل ذنبًا، ولم تُخفِ خطأ، وهذا ما لا يفعله الملوك عادة، ولذا فلك عندنا ثلاثة خيارات، لا رابع لها."

الاختيار الأول

قال:
"أن تقتل

ظلك، فتستعيد مكانك على العرش، غير أنّك ستفقد القدرة على التردّد إلى الأبد، فتصير مثلَه، وتحكم بقسوة، ولا تنام ليلًا من ثقل الدم."

الاختيار الثاني

وقال:
"أن تترك ظلك يحكم، وتعود أنت إلى عالم الناس بلا اسم ولا تاج، فتعيش حرًّا، وتعرف الحبّ الذي كتمته، وتنام مطمئنًّا، غير أنّ التاريخ لن يذكرك ملكًا."

الاختيار الثالث

وسكت الجنّي قليلًا، ثم قال بصوتٍ خفيض:
"أن تنقسم… فيبقى الظلّ ملكًا، وتبقى أنت ضميرًا، لا يراك الناس، لكن يسمعونك حين يخطئون، فإن أطاعوك اعتدل الملك، وإن عصوك هلكت المملكة."

القرار

اختار شاهين الثالث.

لأنه أدرك أخيرًا أن العروش لا تُحكم بالقوة وحدها، ولا بالرحمة وحدها، بل بصراعٍ دائم بين الاثنين، وأن الإنسان إن انتصر على ظله تمامًا صار وحشًا، وإن تركه تمامًا صار عبدًا.

فضرب الجنّ الأرض، فانشطر الوجود، وعاد الظلّ إلى القصر ملكًا، وعاد شاهين… صوتًا.

الخاتمة

يُقال – والعهدة على الرواة – إن مملكة الستار ازدهرت بعدها سنين طويلة، وكان الملك يصدر أوامر عادلة على غير عادته، ويتراجع أحيانًا دون سببٍ مفهوم، ويُكثر من السهر وحده، كأنه يصغي إلى أحد، ويُقال إن كلّ ملكٍ بعده كان يسمع صوتًا خافتًا في الليالي الصعبة، يقول له:

"

احذر… فالظلّ إن نُسي، عاد وسرقك من جديد."

وهكذا انتهت الحكاية،
لكن الظلال…
ما زالت تمشي خلفنا.

تم نسخ الرابط